فصل: باب الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ وَأَقَلِّ مِنْ الثُّلُثِ وَتَرْكِ الْوَصِيَّةِ

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الأم ***


كِتَابُ الْوَصَايَا

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ‏:‏ كَتَبْنَا هَذَا الْكِتَابَ مِنْ نُسْخَةِ الشَّافِعِيِّ مِنْ خَطِّهِ بِيَدِهِ، وَلَمْ نَسْمَعْهُ مِنْهُ وَذَكَرَ الرَّبِيعُ فِي أَوَّلِهِ، وَإِذَا أَوْصَى الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِ وَلَدِهِ وَذَكَرَ بَعْدَهُ تَرَاجِمَ، وَفِي آخِرِهَا مَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُقَدَّمًا، وَهُوَ‏:‏

باب الْوَصِيَّةِ وَتَرْكِ الْوَصِيَّةِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ فِيمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْوَصِيَّةِ‏:‏ إنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ «مَا حَقُّ امْرِئٍ لَهُ مَالٌ يَحْتَمِلُ مَا لِامْرِئٍ أَنْ يَبِيتَ لَيْلَتَيْنِ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ» وَيَحْتَمِلُ مَا الْمَعْرُوفُ فِي الْأَخْلاَقِ إلَّا هَذَا لاَ مِنْ وَجْهِ الْفَرْضِ‏.‏

باب الْوَصِيَّةِ بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِ وَلَدِهِ، أَوْ أَحَدِ وَرَثَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ

وَلَيْسَ فِي التَّرَاجِمِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ وَإِذَا وَصَّى الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِ وَلَدِهِ، فَإِنْ كَانُوا اثْنَيْنِ فَلَهُ الثُّلُثُ، وَإِنْ كَانُوا ثَلاَثَةً فَلَهُ الرُّبُعُ حَتَّى يَكُونَ مِثْلَ أَحَدِ وَلَدِهِ، وَإِنْ كَانَ أَوْصَى بِمِثْلِ نَصِيب ابْنِهِ، فَقَدْ أَوْصَى لَهُ بِالنِّصْفِ فَلَهُ الثُّلُثُ كَامِلاً إلَّا أَنْ يَشَاءَ الِابْنُ أَنْ يُسَلِّمَ لَهُ السُّدُسَ‏.‏

قَالَ وَإِنَّمَا ذَهَبْت إذَا كَانُوا ثَلاَثَةً إلَى أَنْ يَكُونَ لَهُ الرُّبُعُ، وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ الثُّلُثُ؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَ وَلَدِهِ الثَّلاَثَةِ يَرِثُهُ الثُّلُثُ وَأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْقَوْلُ مُحْتَمِلاً أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ كَأَحَدِ وَلَدِهِ وَأَرَادَ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلُ مَا يَأْخُذُ أَحَدُ وَلَدِهِ، جَعَلْت بِهِ الْأَقَلَّ فَأَعْطَيْته إيَّاهُ؛ لِأَنَّهُ الْيَقِينُ وَمَنَعْته الشَّكَّ، وَهَكَذَا لَوْ قَالَ‏:‏ أَعْطَوْهُ مِثْلَ نَصِيبِ أَحَدِ وَلَدِي فَكَانَ فِي وَلَدِهِ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ أَعْطَيْته نَصِيبَ امْرَأَةٍ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ، وَهَكَذَا لَوْ كَانَ وَلَدُهُ ابْنَةً وَابْنَ ابْنٍ، فَقَالَ‏:‏ أَعْطُوهُ مِثْلَ نَصِيبِ أَحَدِ وَلَدِي أَعْطَيْته السُّدُسَ، وَلَوْ كَانَ وَلَدُ الِابْنِ اثْنَيْنِ، أَوْ أَكْثَرَ أَعْطَيْته أَقَلَّ مَا يُصِيبُ وَاحِدًا مِنْهُمْ، وَلَوْ قَالَ‏:‏ لَهُ مِثْلُ نَصِيبِ أَحَدِ وَرَثَتِي، فَكَانَ فِي وَرَثَتِهِ امْرَأَةٌ تَرِثُهُ ثُمُنًا، وَلاَ وَارِثَ لَهُ يَرِثُ أَقَلَّ مِنْ ثُمُنٍ أَعْطَيْته إيَّاهُ، وَلَوْ كَانَ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ يَرِثْنَهُ ثُمُنًا أَعْطَيْته رُبُعَ الثُّمُنِ، وَهَكَذَا لَوْ كَانَتْ لَهُ عَصَبَةٌ فَوَرِثُوهُ أَعْطَيْته مِثْلَ نَصِيبِ أَحَدِهِمْ، وَإِنْ كَانَ سَهْمًا مِنْ أَلْفِ سَهْمٍ، وَهَكَذَا لَوْ كَانُوا مَوَالِيَ، وَإِنْ قَلَّ عَدَدُهُمْ وَكَانَ مَعَهُمْ وَارِثٌ غَيْرُهُمْ زَوْجَةٌ أَوْ غَيْرُهَا أَعْطَيْته أَبَدًا الْأَقَلَّ مِمَّا يُصِيبُ أَحَدَ وَرَثَتِهِ، وَلَوْ كَانَ وَرَثَتُهُ إخْوَةً لِأَبٍ وَأُمٍّ وَإِخْوَةً لِأَبٍ وَإِخْوَةً لِأُمٍّ، فَقَالَ‏:‏ أَعْطُوهُ مِثْلَ نَصِيبِ أَحَدِ إخْوَتِي، أَوْ لَهُ مِثْلُ نَصِيبِ أَحَدِ إخْوَتِي فَذَلِكَ كُلُّهُ سَوَاءٌ، وَلاَ تَبْطُلُ وَصِيَّتُهُ بِأَنَّ الْإِخْوَةَ لِلْأَبِ لاَ يَرِثُونَ وَيُعْطِي مِثْلَ نَصِيبِ أَقَلِّ إخْوَتِهِ الَّذِينَ يَرِثُونَهُ نَصِيبًا، إنْ كَانَ أَحَدُ إخْوَتِهِ لِأُمٍّ أَقَلَّ نَصِيبًا، أَوْ بَنِي الْأُمِّ وَالْأَبِ أُعْطَى مِثْلُ نَصِيبِهِ‏.‏

قَالَ وَلَوْ قَالَ‏:‏ أَعْطُوهُ مِثْلَ أَكْثَرِ نَصِيبِ وَارِثٍ لِي نُظِرَ مَنْ يَرِثُهُ فَأَيُّهُمْ كَانَ أَكْثَرَ لَهُ مِيرَاثًا أُعْطِيَ مِثْلَ نَصِيبِهِ حَتَّى يَسْتَكْمِلَ الثُّلُثَ، فَإِنْ جَاوَزَ نَصِيبُهُ الثُّلُثَ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا الثُّلُثُ، إلَّا أَنْ يَشَاءَ ذَلِكَ الْوَرَثَةُ، وَهَكَذَا لَوْ قَالَ‏:‏ أَعْطُوهُ أَكْثَرَ مِمَّا يُصِيبُ أَحَدًا مِنْ مِيرَاثِي، أَوْ أَكْثَرَ نَصِيبِ أَحَدِ وَلَدِي أَعْطَى ذَلِكَ حَتَّى يَسْتَكْمِلَ الثُّلُثَ، وَلَوْ قَالَ‏:‏ أَعْطُوهُ ضَعْفَ مَا يُصِيبُ أَكْثَرَ وَلَدِي نَصِيبًا أَعْطَى مِثْلَيْ مَا يُصِيبُ أَكْثَرُ وَلَدِهِ نَصِيبًا، وَلَوْ قَالَ‏:‏ ضِعْفَيْ مَا يُصِيبُ ابْنِي نَظَرْت مَا يُصِيبُ ابْنَهُ فَإِنْ كَانَ مِائَةً أَعْطَيْته ثَلَثَمِائَةٍ فَأَكُونُ أَضْعَفْت الْمِائَةَ الَّتِي تُصِيبُهُ بِمِيرَاثِهِ مَرَّةً ثُمَّ مَرَّةً فَذَاكَ ضِعْفَانِ وَهَكَذَا إنْ قَالَ‏:‏ ثَلاَثَةُ أَضْعَافٍ وَأَرْبَعَةٌ لَمْ أَزِدْ عَلَى أَنْ أَنْظُرَ أَصْلَ الْمِيرَاثِ فَأُضَعِّفُهُ لَهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ حَتَّى يَسْتَكْمِلَ مَا أَوْصَى لَهُ بِهِ، وَلَوْ قَالَ‏:‏ أَعْطُوهُ مِثْلَ نَصِيبِ أَحَدِ مَنْ أَوْصَيْت لَهُ أُعْطِيَ أَقَلَّ مَا يُصِيبُ أَحَدًا مِمَّنْ أَوْصَى لَهُ لِأَنِّي إذَا أَعْطَيْته أَقَلَّ، فَقَدْ أَعْطَيْته مَا أَعْلَمُ أَنَّهُ أَوْصَى لَهُ بِهِ فَأَعْطَيْته بِالْيَقِينِ، وَلاَ أُجَاوِزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ شَكٌّ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ‏.‏

باب الْوَصِيَّةِ بِجُزْءٍ مِنْ مَالِهِ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ وَلَوْ قَالَ‏:‏ لِفُلاَنٍ نَصِيبٌ مِنْ مَالِي، أَوْ جُزْءٌ مِنْ مَالِي، أَوْ حَظٌّ مِنْ مَالِي كَانَ هَذَا كُلُّهُ سَوَاءً وَيُقَالُ لِلْوَرَثَةِ أَعْطُوهُ مِنْهُ مَا شِئْتُمْ؛ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ جُزْءٌ وَنَصِيبٌ وَحَظٌّ، فَإِنْ قَالَ‏:‏ الْمُوصَى لَهُ قَدْ عَلِمَ الْوَرَثَةُ أَنَّهُ أَرَادَ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا أُحَلِّفُ الْوَرَثَةَ مَا تَعْلَمُهُ أَرَادَ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهُ وَنُعْطِيهِ وَهَكَذَا لَوْ قَالَ‏:‏ أَعْطُوهُ جُزْءًا قَلِيلاً مِنْ مَالِي، أَوْ حَظًّا، أَوْ نَصِيبًا، وَلَوْ قَالَ‏:‏ مَكَانٌ قَلِيلٌ كَثِيرًا مَا عَرَفْت لِلْكَثِيرِ حَدًّا وَذَلِكَ أَنِّي لَوْ ذَهَبْت إلَى أَنْ أَقُولَ الْكَثِيرُ كُلُّ مَا كَانَ لَهُ حُكْمٌ وَجَدْت قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ‏}‏ فَكَانَ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ قَلِيلاً، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى لَهَا حُكْمًا يُرَى فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَرَأَيْت قَلِيلَ مَالِ الْآدَمِيِّينَ وَكَثِيرَهُ سَوَاءً يَقْضِي بِأَدَائِهِ عَلَى مَنْ أَخَذَهُ غَصْبًا، أَوْ تَعَدِّيًا أَوْ اسْتَهْلَكَهُ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَوَجَدْت رُبُعَ دِينَارٍ قَلِيلاً، وَقَدْ يُقْطَعُ فِيهِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَوَجَدْت مِائَتِي دِرْهَمٍ قَلِيلاً، وَفِيهَا زَكَاةٌ وَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ قَلِيلاً فَكُلُّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ قَلِيلٍ وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ كَثِيرٍ فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لِلْكَثِيرِ حَدٌّ يُعْرَفُ وَكَانَ اسْمُ الْكَثِيرِ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ كَانَ ذَلِكَ إلَى الْوَرَثَةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ حَيًّا فَأَقَرَّ لِرَجُلٍ بِقَلِيلِ مَالِهِ أَوْ كَثِيرِهِ كَانَ ذَلِكَ إلَيْهِ فَمَتَى لَمْ يُسَمِّ شَيْئًا، وَلَمْ يُحْدِدْهُ فَذَلِكَ إلَى الْوَرَثَةِ؛ لِأَنِّي لاَ أُعْطِيهِ بِالشَّكِّ، وَلاَ أُعْطِيه إلَّا بِالْيَقِينِ‏.‏

باب الْوَصِيَّةِ بِشَيْءٍ مُسَمًّى بِغَيْرِ عَيْنِهِ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ وَلَوْ أَوْصَى لِرَجُلٍ فَقَالَ‏:‏ أَعْطُوهُ عَبْدًا مِنْ رَقِيقِي أَعْطَوْهُ أَيَّ عَبْدٍ شَاءُوا، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ‏:‏ أَعْطَوْهُ شَاةً مِنْ غَنَمِي أَوْ بَعِيرًا مِنْ إبِلِي، أَوْ حِمَارًا مِنْ حَمِيرِي، أَوْ بَغْلاً مِنْ بِغَالِي أَعْطَاهُ الْوَرَثَةُ أَيَّ ذَلِكَ شَاءُوا مِمَّا سَمَّاهُ، وَلَوْ قَالَ أَعْطُوهُ أَحَدَ رَقِيقِي، أَوْ بَعْضَ رَقِيقِي، أَوْ رَأْسًا مِنْ رَقِيقِي أَعْطَوْهُ أَيَّ رَأْسٍ شَاءُوا مِنْ رَقِيقِهِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى صَغِيرًا، أَوْ كَبِيرًا مَعِيبًا أَوْ غَيْرَ مَعِيبٍ، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ‏:‏ دَابَّةً مِنْ دَوَابِّي أَعْطَوْهُ أَيَّ دَابَّةٍ شَاءُوا أُنْثَى، أَوْ ذَكَرًا صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً، وَكَذَلِكَ يُعْطُونَهُ صَغِيرًا مِنْ الرَّقِيقِ إنْ شَاءُوا، أَوْ كَبِيرًا، وَلَوْ أَوْصَى فَقَالَ‏:‏ أَعْطُوهُ رَأْسًا مِنْ رَقِيقِي، أَوْ دَابَّةً مِنْ دَوَابِّي فَمَاتَ مِنْ رَقِيقِهِ رَأْسٌ، أَوْ مِنْ دَابَّةٍ فَقَالَ الْوَرَثَةُ هَذَا الَّذِي أَوْصَى لَك بِهِ وَأَنْكَرَ الْمُوصَى لَهُ ذَلِكَ، فَقَدْ ثَبَتَ لِلْمُوصِي لَهُ عَبْدًا، أَوْ رَأْسًا مِنْ رَقِيقِهِ فَيُعْطِيهِ الْوَرَثَةُ أَيَّ ذَلِكَ شَاءُوا وَلَيْسَ عَلَيْهِ مَا مَاتَ مَا حَمَلَ الثُّلُثُ ذَلِكَ كَمَا لَوْ أَوْصَى لَهُ بِمِائَةِ دِينَارٍ فَهَلَكَ مِنْ مَالِهِ مِائَةُ دِينَارٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَحْسِبَ عَلَيْهِ مَا حَمَلَ ذَلِكَ الثُّلُثُ وَذَلِكَ أَنَّهُ جَعَلَ الْمَشِيئَةَ فِيمَا يَقْطَعُ بِهِ إلَيْهِمْ فَلاَ يَبْرَءُونَ حَتَّى يُعْطُوهُ إلَّا أَنْ يَهْلَكَ ذَلِكَ كُلُّهُ فَيَكُونُ كَهَلاَكِ عَبْدٍ أَوْصَى لَهُ بِهِ بِعَيْنِهِ، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ إلَّا وَاحِدٌ مِمَّا أَوْصَى لَهُ بِهِ مِنْ دَوَابَّ، أَوْ رَقِيقٍ فَهُوَ لَهُ، وَإِنْ هَلَكَ الرَّقِيقُ، أَوْ الدَّوَابُّ أَوْ مَا أَوْصَى لَهُ بِهِ كُلُّهُ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ‏.‏

باب الْوَصِيَّةِ بِشَيْءٍ مُسَمًّى لاَ يَمْلِكُهُ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ وَلَوْ قَالَ‏:‏ الْمُوصِي أَعْطُوا فُلاَنًا شَاةً مِنْ غَنَمِي، أَوْ بَعِيرًا مِنْ إبِلِي أَوْ عَبْدًا مِنْ رَقِيقِي، أَوْ دَابَّةً مِنْ دَوَابِّي فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ دَابَّةٌ، وَلاَ شَيْءٌ مِنْ الصِّنْفِ الَّذِي أَوْصَى لَهُ بِهِ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّهُ أَوْصَى لَهُ بِشَيْءٍ مُسَمًّى إضَافَةً إلَى مِلْكِهِ لاَ يَمْلِكُهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْصَى لَهُ وَلَهُ هَذَا الصِّنْفُ فَهَلَكَ، أَوْ بَاعَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ لَهُ، وَلَوْ مَاتَ وَلَهُ مِنْ صِنْف مَا أَوْصَى فِيهِ شَيْءٌ فَمَاتَ ذَلِكَ الصِّنْفُ إلَّا وَاحِدًا كَانَ ذَلِكَ الْوَاحِدُ لِلْمُوصَى لَهُ إذَا حَمَلَهُ الثُّلُثُ، وَلَوْ مَاتَ فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ بَطَلَتْ وَصِيَّةُ الرَّجُلِ لَهُ بِذَهَابِهِ، وَلَوْ تَصَادَقُوا عَلَى أَنَّهُ بَقِيَ مِنْهُ شَيْءٌ فَقَالَ الْمُوصَى لَهُ اسْتَهْلَكَهُ الْوَرَثَةُ وَقَالَ‏:‏ الْوَرَثَةُ بَلْ هَلَكَ مِنْ السَّمَاءِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْوَرَثَةِ عَلَى الْمُوصَى لَهُ الْبَيِّنَةُ فَإِنْ جَاءَ بِهَا قِيلَ لِلْوَرَثَةِ أَعْطُوهُ مَا شِئْتُمْ مِمَّا يَكُونُ مِثْلَهُ ثَمَنًا لِأَقَلِّ الصِّنْفِ الَّذِي أَوْصَى لَهُ بِهِ وَالْقَوْلُ فِي ثَمَنِهِ قَوْلُكُمْ إذَا جِئْتُمْ بِشَيْءٍ يَحْتَمِلُ وَاحْلِفُوا لَهُ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ عَلَى أَنَّ أَقَلَّهُ ثَمَنًا كَانَ مَبْلَغُ ثَمَنِهِ كَذَا، وَلَوْ اسْتَهْلَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ وَارِثٌ، أَوْ أَجْنَبِيٌّ كَانَ لِلْمُوصَى لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى مُسْتَهْلِكِهِ مَنْ كَانَ بِثَمَنِ أَيِّ شَيْءٍ سَلَّمَهُ لَهُ الْوَارِثُ مِنْهُ فَإِنْ أَخَذَ الْوَارِثُ مِنْهُ ثَمَنَ بَعْضِ ذَلِكَ الصِّنْفِ وَأَفْلَسَ بِبَعْضِهِ رَجَعَ الْمُوصَى لَهُ عَلَى الْوَارِثِ بِمَا أَصَابَ مَا سَلَّمَ لَهُ الْوَارِثُ مِنْ ذَلِكَ الصِّنْفِ بِقَدْرِ مَا أَخَذَ كَأَنَّهُ أَخَذَ نِصْفَ ثَمَنِ غَنَمٍ فَقَالَ‏:‏ الْوَارِثُ أَسْلَمَ لَهُ أَدْنَى شَاةٍ مِنْهَا وَقِيمَتُهَا دِرْهَمَانِ فَيَرْجِعُ عَلَى الْوَارِثِ بِدِرْهَمٍ وَهَكَذَا هَذَا فِي كُلِّ صِنْفٍ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ‏.‏

باب الْوَصِيَّةِ بِشَاةٍ مِنْ مَالِهِ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ وَلَوْ أَنَّ رَجُلاً أَوْصَى لِرَجُلٍ بِشَاةٍ مِنْ مَالِهِ قِيلَ‏:‏ لِلْوَرَثَةِ أَعْطُوهُ أَيَّ شَاةٍ شِئْتُمْ كَانَتْ عِنْدَكُمْ، أَوْ اشْتَرَيْتُمُوهَا لَهُ صَغِيرَةً، أَوْ كَبِيرَةً ضَائِنَةً، أَوْ مَاعِزَةً فَإِنْ قَالُوا نُعْطِيهِ ظَبْيًا، أَوْ أُرْوِيَّةً لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُمْ، وَإِنْ وَقَعَ عَلَى ذَلِكَ اسْمُ شَاةٍ؛ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ إذَا قِيلَ‏:‏ شَاةٌ ضَائِنَةٌ، أَوْ مَاعِزَةٌ وَهَكَذَا لَوْ قَالُوا نُعْطِيك تَيْسًا، أَوْ كَبْشًا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُمْ؛ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ إذَا قِيلَ شَاةٌ أَنَّهَا أُنْثَى، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ أَعْطُوهُ بَعِيرًا، أَوْ ثَوْرًا مِنْ مَالِي لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يُعْطُوهُ نَاقَةً، وَلاَ بَقَرَةً؛ لِأَنَّهُ لاَ يَقَعُ عَلَى هَذَيْنِ اسْمُ الْبَعِيرِ، وَلاَ الثَّوْرِ عَلَى الِانْفِرَادِ وَهَكَذَا لَوْ قَالَ‏:‏ أَعْطُوهُ عَشْرَ أَيْنُقُ مِنْ مَالِي لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يُعْطُوهُ فِيهَا ذَكَرًا وَهَكَذَا لَوْ قَالَ‏:‏ أَعْطُوهُ عَشَرَةَ أَجْمَالٍ، أَوْ عَشَرَةَ أَثْوَارٍ، أَوْ عَشَرَةَ أَتْيَاسٍ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يُعْطُوهُ أُنْثَى مِنْ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ، وَلَوْ قَالَ‏:‏ أَعْطُوهُ عَشْرًا مِنْ غَنَمِي، أَوْ عَشْرًا مِنْ إبِلِي، أَوْ عَشْرًا مِنْ أَوْلاَدِ غَنَمِي، أَوْ إبِلِي، أَوْ بَقَرِي، أَوْ قَالَ‏:‏ أَعْطُوهُ عَشْرًا مِنْ الْغَنَمِ، أَوْ عَشْرًا مِنْ الْبَقَرِ أَوْ عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ كَانَ لَهُمْ أَنْ يُعْطُوهُ عَشْرًا إنْ شَاءُوا إنَاثًا كُلَّهَا، وَإِنْ شَاءُوا ذُكُورًا كُلَّهَا، وَإِنْ شَاءُوا ذُكُورًا وَإِنَاثًا؛ لِأَنَّ الْغَنَمَ وَالْبَقَرَ وَالْإِبِلَ جِمَاعٌ يَقَعُ عَلَى الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ، وَلاَ شَيْءَ أَوْلَى مِنْ شَيْءٍ‏.‏

أَلاَ تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ‏:‏ «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ» فَلَمْ يَخْتَلِفْ النَّاسُ أَنَّ ذَلِكَ فِي الذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ وَالْإِنَاثِ دُونَ الذُّكُورِ وَالذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ لَوْ كَانَتْ لِرَجُلٍ، وَلَوْ قَالَ‏:‏ أَعْطُوا فُلاَنًا مِنْ مَالِي دَابَّةً قِيلَ‏:‏ لَهُمْ أَعْطُوهُ إنْ شِئْتُمْ مِنْ الْخَيْلِ، أَوْ الْبِغَالِ أَوْ الْحَمِيرِ أُنْثَى، أَوْ ذَكَرًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ الذَّكَرُ مِنْهَا بِأَوْلَى بِاسْمِ الدَّابَّةِ مِنْ الْأُنْثَى، وَلَكِنَّهُ لَوْ قَالَ‏:‏ أُنْثَى مِنْ الدَّوَابِّ، أَوْ ذَكَرًا مِنْ الدَّوَابِّ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا مَا أَوْصَى بِهِ ذَكَرًا كَانَ، أَوْ أُنْثَى صَغِيرًا كَانَ، أَوْ كَبِيرًا أَعْجَفَ كَانَ، أَوْ سَمِينًا مَعِيبًا كَانَ أَوْ سَلِيمًا‏.‏ وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ‏.‏

باب الْوَصِيَّةِ بِشَيْءٍ مُسَمًّى فَيَهْلِكُ بِعَيْنِهِ، أَوْ غَيْرِ عَيْنِهِ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى، وَلَوْ أَوْصَى الرَّجُلُ لِرَجُلٍ بِثُلُثِ شَيْءٍ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ مِثْلَ عَبْدٍ وَسَيْفٍ وَدَارٍ وَأَرْضٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَاسْتَحَقَّ ثُلُثَا ذَلِكَ الشَّيْءِ، أَوْ هَلَكَ وَبَقِيَ ثُلُثُهُ مِثْلُ دَارٍ ذَهَبَ السَّيْلُ بِثُلُثَيْهَا، أَوْ أَرْضٍ كَذَلِكَ فَالثُّلُثُ كَالْبَاقِي لِلْمُوصَى لَهُ بِهِ إذَا خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ مَوْجُودَةٌ وَخَارِجَةٌ مِنْ الثُّلُثِ‏.‏

باب مَا يَجُوزُ مِنْ الْوَصِيَّةِ فِي حَالٍ، وَلاَ يَجُوزُ فِي أُخْرَى

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى، وَلَوْ قَالَ‏:‏ أَعْطُوا فُلاَنًا كَلْبًا مِنْ كِلاَبِي وَكَانَتْ لَهُ كِلاَبٌ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ جَائِزَةً؛ لِأَنَّ الْمُوصَى لَهُ يَمْلِكُهُ بِغَيْرِ ثَمَنٍ، وَإِنْ اسْتَهْلَكَهُ الْوَرَثَةُ، وَلَمْ يُعْطُوهُ إيَّاهُ، أَوْ غَيْرُهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ثَمَنٌ يَأْخُذُهُ؛ لِأَنَّهُ لاَ ثَمَنَ لِلْكَلْبِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَلْبٌ فَقَالَ‏:‏ أَعْطُوا فُلاَنًا كَلْبًا مِنْ مَالِي كَانَتْ الْوَصِيَّةُ بَاطِلَةً؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْوَرَثَةِ، وَلاَ لَهُمْ أَنْ يَشْتَرُوا مِنْ ثُلُثِهِ كَلْبًا فَيُعْطُوهُ إيَّاهُ، وَلَوْ اسْتَوْهَبُوهُ فَوَهَبَ لَهُمْ لَمْ يَكُنْ دَاخِلاً فِي مَالِهِ وَكَانَ مِلْكًا لَهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ أَنْ يُعْطُوا مِلْكَهُمْ لِلْمُوصَى لَهُ وَالْمُوصِي لَمْ يَمْلِكْهُ‏.‏

وَلَوْ قَالَ‏:‏ أَعْطُوهُ طَبْلاً مِنْ طُبُولِي وَلَهُ الطَّبْلُ الَّذِي يُضْرَبُ بِهِ لِلْحَرْبِ وَالطَّبْلُ الَّذِي يُضْرَبُ بِهِ لِلَّهْوِ فَإِنْ كَانَ الطَّبْلُ الَّذِي يُضْرَبُ بِهِ لِلَّهْوِ يَصْلُحُ لِشَيْءٍ غَيْرِ اللَّهْوِ قِيلَ‏:‏ لِلْوَرَثَةِ أَعْطُوهُ أَيَّ الطَّبْلَيْنِ شِئْتُمْ؛ لِأَنَّ كُلًّا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ طَبْلٍ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا أَحَدُ الصِّنْفَيْنِ، لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يُعْطُوهُ مِنْ الْآخَرِ وَهَكَذَا لَوْ قَالَ‏:‏ أَعْطُوهُ طَبْلاً مِنْ مَالِي، وَلاَ طَبْلَ لَهُ ابْتَاعَ لَهُ الْوَرَثَةُ أَيَّ الطَّبْلَيْنِ شَاءُوا بِمَا يَجُوزُ لَهُ فِيهِ، وَإِنْ ابْتَاعُوا لَهُ الطَّبْلَ الَّذِي يُضْرَبُ بِهِ لِلْحَرْبِ فَمِنْ أَيِّ عُودٍ، أَوْ صُفْرٍ شَاءُوا ابْتَاعُوهُ وَيَبْتَاعُونَهُ وَعَلَيْهِ أَيُّ جِلْدٍ شَاءُوا مِمَّا يَصْلُحُ عَلَى الطُّبُولِ فَإِنْ أَخَذَهُ بِجِلْدَةٍ لاَ تَعْمَلُ عَلَى الطُّبُولِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ حَتَّى يَأْخُذُوهُ بِجِلْدَةٍ يُتَّخَذُ مِثْلُهَا عَلَى الطُّبُولِ، وَإِنْ كَانَتْ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ فَإِنْ اشْتَرَى لَهُ الطَّبْلَ الَّذِي يُضْرَبُ بِهِ فَكَانَ يَصْلُحُ لِغَيْرِ الضَّرْبِ وَاشْتَرَى لَهُ طَبْلاً فَإِنْ كَانَ الْجِلْدَانِ اللَّذَانِ يَجْعَلاَنِ عَلَيْهِمَا يَصْلُحَانِ لِغَيْرِ الضَّرْبِ أَخَذَ بِجِلْدَتِهِ، وَإِنْ كَانَا لاَ يَصْلُحَانِ لِغَيْرِ الضَّرْبِ أَخَذَ الطَّبْلَيْنِ بِغَيْرِ جِلْدَيْنِ، وَإِنْ كَانَ يَقَعُ عَلَى طَبْلِ الْحَرْبِ اسْمُ طَبْلٍ بِغَيْرِ جِلْدَةٍ أَخَذَتْهُ الْوَرَثَةُ إنْ شَاءُوا بِلاَ جِلْدٍ، وَإِنْ كَانَ الطَّبْلُ الَّذِي يُضْرَبُ بِهِ لاَ يَصْلُحُ إلَّا لِلضَّرْبِ لَمْ يَكُنْ لِلْوَرَثَةِ أَنْ يُعْطُوهُ طَبْلاً إلَّا طَبْلاً لِلْحَرْبِ كَمَا لَوْ كَانَ أَوْصَى لَهُ بِأَيِّ دَوَابِّ الْأَرْضِ شَاءَ الْوَرَثَةُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يُعْطُوهُ خِنْزِيرًا‏.‏

وَلَوْ قَالَ‏:‏ أَعْطَوْهُ كَبَرًا كَانَ الْكَبَرُ الَّذِي يُضْرَبُ بِهِ دُونَ مَا سِوَاهُ مِنْ الطُّبُولِ وَدُونَ الْكَبَرِ الَّذِي يَتَّخِذُهُ النِّسَاءُ فِي رُءُوسِهِنَّ؛ لِأَنَّهُنَّ إنَّمَا سَمَّيْنَ ذَلِكَ كَبَرًا تَشْبِيهًا بِهَذَا وَكَانَ الْقَوْلُ فِيهِ كَمَا وَصَفْت إنْ صَلُحَ لِغَيْرِ الضَّرْبِ جَازَتْ الْوَصِيَّةُ، وَإِنْ لَمْ يَصْلُح إلَّا لِلضَّرْبِ لَمْ تَجُزْ عِنْدِي، وَلَوْ قَالَ‏:‏ أَعْطُوهُ عُودًا مِنْ عِيدَانِي وَلَهُ عِيدَانٌ يُضْرَبُ بِهَا وَعِيدَانُ قِسِيٍّ وَعِصِيٍّ وَغَيْرُهَا فَالْعُودُ إذَا وَجَّهَ بِهِ الْمُتَكَلِّمُ لِلْعُودِ الَّذِي يُضْرَبُ بِهِ دُونَ مَا سِوَاهُ مِمَّا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ عُودٍ فَإِنْ كَانَ الْعُودُ يَصْلُحُ لِغَيْرِ الضَّرْبِ جَازَتْ الْوَصِيَّةُ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إلَّا أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ عُودٍ وَأَصْغَرُهُ بِلاَ وَتَرٍ، وَإِنْ كَانَ لاَ يَصْلُحُ إلَّا لِلضَّرْبِ بَطَلَتْ عِنْدِي الْوَصِيَّةُ وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي الْمَزَامِيرِ كُلِّهَا‏.‏

وَإِنْ قَالَ‏:‏ مِزْمَارٌ مِنْ مَزَامِيرِي، أَوْ مِنْ مَالِي فَإِنْ كَانَتْ لَهُ مَزَامِيرُ شَتَّى فَأَيُّهَا شَاءُوا أَعْطَوْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا صِنْفٌ مِنْهَا أَعْطَوْهُ مِنْ ذَلِكَ الصِّنْفِ، وَإِنْ قَالَ‏:‏ مِزْمَارٌ مِنْ مَالِي أَعْطَوْهُ أَيَّ مِزْمَارٍ شَاءُوا نَايٍ، أَوْ قَصَبَةٍ أَوْ غَيْرِهَا إنْ صَلُحَتْ لِغَيْرِ الزَّمْرِ، وَإِنْ لَمْ تَصْلُحْ إلَّا لِلزَّمْرِ لَمْ يُعْطَ مِنْهَا شَيْئًا، وَلَوْ أَوْصَى رَجُلٌ لِرَجُلٍ بِجَرَّةِ خَمْرٍ بِعَيْنِهَا بِمَا فِيهَا أُهْرِيقَ الْخَمْرُ وَأُعْطِيَ ظَرْفَ الْجَرَّةِ‏.‏

وَلَوْ قَالَ‏:‏ أَعْطُوهُ قَوْسًا مِنْ قِسِيِّي وَلَهُ قِسِيٌّ مَعْمُولَةٌ وَقِسِيٌّ غَيْرُ مَعْمُولَةٍ، أَوْ لَيْسَ لَهُ مِنْهَا شَيْءٌ فَقَالَ‏:‏ أَعْطُوهُ عُودًا مِنْ الْقِسِيِّ كَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُعْطُوهُ قَوْسًا مَعْمُولَةً أَيَّ قَوْسٍ شَاءُوا صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً عَرَبِيَّةً، أَوْ أَيِّ عَمَلٍ شَاءُوا إذَا وَقَعَ عَلَيْهَا اسْمُ قَوْسٍ تُرْمَى بِالنَّبْلِ، أَوْ النُّشَّابِ، أَوْ الْحُسْبَانِ وَمِنْ أَيِّ عُودٍ شَاءُوا، وَلَوْ أَرَادُوا أَنْ يُعْطُوهُ قَوْسَ جلاهق، أَوْ قَوْسَ نَدَّافٍ أَوْ قَوْسَ كُرْسُفٍ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَنْ وَجَّهَ بِقَوْسٍ فَإِنَّمَا يَذْهَبُ إلَى قَوْسٍ رَمَى بِمَا وَصَفْت، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ أَيَّ قَوْسٍ شِئْتُمْ، أَوْ أَيَّ قَوْسِ الدُّنْيَا شِئْتُمْ، وَلَكِنَّهُ لَوْ قَالَ‏:‏ أَعْطُوهُ أَيَّ قَوْسٍ شِئْتُمْ مِمَّا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ قَوْسٍ أَعْطَوْهُ إنْ شَاءُوا قَوْسَ نَدَّافٍ، أَوْ قَوْسَ قُطْنٍ، أَوْ مَا شَاءُوا مِمَّا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ قَوْسٍ، وَلَوْ كَانَ لَهُ صِنْفٌ مِنْ الْقِسِيِّ فَقَالَ‏:‏ أَعْطُوهُ مِنْ قِسِيِّي لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يُعْطُوهُ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ الصِّنْفِ، وَلاَ عَلَيْهِمْ وَكَانَ لَهُمْ أَنْ يُعْطُوهُ أَيَّهَا شَاءُوا أَكَانَتْ عَرَبِيَّةً، أَوْ فَارِسِيَّةً، أَوْ دودانية أَوْ قَوْسَ حُسْبَانٍ، أَوْ قَوْسَ قُطْنٍ‏.‏

باب الْوَصِيَّةِ فِي الْمَسَاكِينِ وَالْفُقَرَاءِ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ وَإِذَا أَوْصَى الرَّجُلُ فَقَالَ‏:‏ ثُلُثُ مَالِي فِي الْمَسَاكِينِ فَكُلُّ مَنْ لاَ مَالَ لَهُ، وَلاَ كَسْبَ يُغْنِيهِ دَاخِلٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَهُوَ لِلْأَحْرَارِ دُونَ الْمَمَالِيكِ مِمَّنْ لَمْ يَتِمَّ عِتْقُهُ‏.‏

قَالَ وَيَنْظُرُ أَيْنَ كَانَ مَالُهُ فَيُخْرِجُ ثُلُثَهُ فَيُقَسَّمُ فِي مَسَاكِينِ أَهْلِ ذَلِكَ الْبَلَدِ الَّذِي بِهِ مَالُهُ دُونَ غَيْرِهِمْ فَإِنْ كَثُرَ حَتَّى يُغْنِيَهُمْ نُقِلَ إلَى أَقْرَبِ الْبُلْدَانِ لَهُ ثُمَّ كَانَ هَكَذَا حَيْثُ كَانَ لَهُ مَالٌ صَنَعَ بِهِ هَذَا وَهَكَذَا لَوْ قَالَ‏:‏ ثُلُثُ مَالِي فِي الْفُقَرَاءِ كَانَ مِثْلُ الْمَسَاكِينِ يَدْخُلُ فِيهِ الْفَقِيرُ وَالْمِسْكِينُ؛ لِأَنَّ الْمِسْكِينَ فَقِيرٌ وَالْفَقِيرَ مِسْكِينٌ إذَا أَفْرَدَ الْمُوصِي الْقَوْلَ هَكَذَا، وَلَوْ قَالَ‏:‏ ثُلُثُ مَالِي فِي الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، عَلِمْنَا أَنَّهُ أَرَادَ التَّمْيِيزَ بَيْنَ الْفَقِيرِ وَالْمَسْكَنَةِ، فَالْفَقِيرُ الَّذِي لاَ مَالَ لَهُ، وَلاَ كَسْبَ يَقَعُ مِنْهُ مَوْقِعًا، وَالْمِسْكِينُ مَنْ لَهُ مَالٌ، أَوْ كَسْبٌ يَقَعُ مِنْهُ مَوْقِعًا، وَلاَ يُغْنِيهِ، فَيُجْعَلُ الثُّلُثُ بَيْنَهُمْ نِصْفَيْنِ وَنَعْنِي بِهِ مَسَاكِينَ أَهْلِ الْبَلَدِ الَّذِي بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ مَالٌ، وَفُقَرَاءَهُمْ، وَإِنْ قَلَّ، وَمَنْ أَعْطَى فِي فُقَرَاءَ، أَوْ مَسَاكِينَ، فَإِنَّمَا أَعْطَى لِمَعْنَى فَقْرٍ أَوْ مَسْكَنَةٍ، فَيَنْظُرُ فِي الْمَسَاكِينِ فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يُخْرِجُهُ مِنْ الْمَسْكَنَةِ مِائَةٌ وَآخَرُ يُخْرِجُهُ مِنْ الْمَسْكَنَةِ خَمْسُونَ أَعْطَى الَّذِي يُخْرِجُهُ مِنْ الْمَسْكَنَةِ مِائَةٌ سَهْمَيْنِ وَاَلَّذِي يُخْرِجُهُ خَمْسُونَ سَهْمًا، وَهَكَذَا يَصْنَع فِي الْفُقَرَاءِ عَلَى هَذَا الْحِسَابِ، وَلاَ يَدْخُلُ فِيهِمْ، وَلاَ يُفَضَّلُ ذُو قَرَابَةٍ عَلَى غَيْرِهِ إلَّا بِمَا وَصَفْت فِي غَيْرِهِ مِنْ قَدْرِ مَسْكَنَتِهِ، أَوْ فَقْرِهِ‏.‏

قَالَ فَإِذَا نُقِلَتْ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ أَوْ خُصَّ بِهَا بَعْضُ الْمَسَاكِينِ وَالْفُقَرَاءِ دُونَ بَعْضٍ كَرِهْته، وَلَمْ يَبِنْ لِي أَنْ يَكُونَ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ ضَمَانٌ، وَلَكِنَّهُ لَوْ أَوْصَى لِفُقَرَاءَ وَمَسَاكِينَ فَأَعْطَى أَحَدَ الصِّنْفَيْنِ دُونَ الْآخَرِ ضَمِنَ نِصْفَ الثُّلُثِ، وَهُوَ السُّدُسُ؛ لِأَنَّا قَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ أَرَادَ صِنْفَيْنِ فَحَرَّمَ أَحَدَهُمَا، وَلَوْ أَعْطَى مِنْ كُلِّ صِنْفٍ أَقَلَّ مِنْ ثَلاَثَةٍ ضَمِنَ، وَلَوْ أَعْطَى وَاحِدًا ضَمِنَ ثُلُثَيْ السُّدُسِ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ مَا يُقَسَّمُ عَلَيْهِ السُّدُسُ ثَلاَثَةٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الثُّلُثُ لِصِنْفٍ كَانَ أَقَلُّ مَا يُقَسَّمُ عَلَيْهِ ثَلاَثَةً، وَلَوْ أَعْطَاهَا اثْنَيْنِ ضَمِنَ حِصَّةَ وَاحِدٍ إنْ كَانَ الَّذِي أَوْصَى بِهِ السُّدُسُ فَثُلُثُ السُّدُسِ، وَإِنْ كَانَ الثُّلُثُ فَثُلُثُ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّهُ حِصَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ‏:‏ ثُلُثُ مَالِي فِي الْمَسَاكِينِ يَضَعُهُ حَيْثُ رَأَى مِنْهُمْ كَانَ لَهُ أَقَلُّ مَا يَضَعُهُ فِيهِ ثَلاَثَةٌ يَضْمَنُ إنْ وَضَعَهُ فِي أَقَلِّ حِصَّةٍ مَا بَقِيَ مِنْ الثَّلاَثَةِ وَكَانَ الِاخْتِيَارُ لَهُ أَنْ يَعُمَّهُمْ، وَلاَ يَضِيقُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَهِدَ فَيَضَعُهُ فِي أَحْوَجِهِمْ، وَلاَ يَضَعُهُ كَمَا وَصَفْت فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلاَثَةٍ، وَكَانَ لَهُ الِاخْتِيَارُ إذَا خَصَّ أَنْ يُخَصَّ قَرَابَةَ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّ إعْطَاءَ قَرَابَتِهِ يَجْمَعُ أَنَّهُمْ مِنْ الصِّنْفِ الَّذِي أَوْصَى لَهُمْ وَأَنَّهُمْ ذُو رَحِمٍ عَلَى صِلَتِهَا ثَوَابٌ‏.‏

باب الْوَصِيَّةِ فِي الرِّقَابِ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ وَإِذَا أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ فِي الرِّقَابِ أَعْطَى مِنْهَا فِي الْمُكَاتَبِينَ، وَلاَ يَبْتَدِئُ مِنْهَا عِتْقَ رَقَبَةٍ، وَأَعْطَى مَنْ وَجَدَ مِنْ الْمُكَاتَبِينَ بِقَدْرِ مَا بَقِيَ عَلَيْهِمْ وَعَمُوا كَمَا وَصَفْت فِي الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ لاَ يَخْتَلِفُ ذَلِكَ، وَأَعْطَى ثُلُثَ كُلِّ مَالٍ لَهُ فِي بَلَدٍ فِي مُكَاتَبِي أَهْلِهِ‏.‏

قَالَ‏:‏ وَإِنْ قَالَ‏:‏ يَضَعُهُ مِنْهُمْ حَيْثُ رَأَى فَكَمَا قُلْت‏:‏ فِي الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ لاَ يَخْتَلِفُ، فَإِنْ قَالَ‏:‏ يَعْتِقُ بِهِ عَنِّي رِقَابًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ مُكَاتَبًا مِنْهُ دِرْهَمًا، وَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَ، وَإِنْ بَلَغَ أَقَلَّ مِنْ ثَلاَثِ رِقَابٍ لَمْ يُجْزِهِ أَقَلُّ مِنْ عِتْقِ ثَلاَثِ رِقَابٍ، فَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَ حِصَّةَ مَنْ تَرَكَهُ مِنْ الثُّلُثِ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ثَلاَثَ رِقَابٍ وَبَلَغَ أَقَلَّ مِنْ رَقَبَتَيْنِ يَجِدُهُمَا ثَمَنًا وَفَضَلَ فَضْلٌ جَعَلَ الرَّقَبَتَيْنِ أَكْثَرَ ثَمَنًا حَتَّى يَذْهَبَ فِي رَقَبَتَيْنِ، وَلاَ يَحْبِسُ شَيْئًا لاَ يَبْلُغُ رَقَبَةً، وَهَكَذَا لَوْ لَمْ يَبْلُغْ رَقَبَتَيْنِ وَزَادَ عَلَى رَقَبَةٍ، وَيُجْزِيهِ أَيُّ رَقَبَةٍ اشْتَرَى صَغِيرَةً، أَوْ كَبِيرَةً، أَوْ ذَكَرًا، أَوْ أُنْثَى، وَأَحَبُّ إلَيَّ أَزْكَى الرِّقَابِ وَخَيْرُهَا وَأَحْرَاهَا أَنْ يَفُكَّ مِنْ سَيِّدِهِ مِلْكَهُ، وَإِنْ كَانَ فِي الثُّلُثِ سَعَةٌ تَحْتَمِلُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلاَثِ رِقَابٍ فَقِيلَ‏:‏ أَيُّهُمَا أَحَبُّ إلَيْك إقْلاَلُ الرِّقَابِ وَاسْتِغْلاَؤُهَا، أَوْ إكْثَارُهَا وَاسْتِرْخَاصُهَا‏؟‏ قَالَ‏:‏ إكْثَارُهَا وَاسْتِرْخَاصُهَا أَحَبُّ إلَيَّ، فَإِنْ قَالَ وَلِمَ‏؟‏؛ لِأَنَّهُ يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ‏:‏ «مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْهُ مِنْ النَّارِ» وَيَزِيدُ بَعْضُهُمْ فِي الْحَدِيثِ «حَتَّى الْفَرْجَ بِالْفَرْجِ»‏.‏

باب الْوَصِيَّةِ فِي الْغَارِمِينَ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ وَإِذَا أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ فِي الْغَارِمِينَ فَالْقَوْلُ أَنَّهُ يُقَسَّمُ فِي غَارِمِي الْبَلَدِ الَّذِي بِهِ مَالُهُ، وَفِي أَقَلِّ مَا يُعْطَاهُ ثَلاَثَةٌ فَصَاعِدًا كَالْقَوْلِ فِي الْفُقَرَاءِ وَالرِّقَابِ، وَفِي أَنَّهُ يُعْطَى الْغَارِمُونَ بِقَدْرِ غُرْمِهِمْ كَالْقَوْلِ فِي الْفُقَرَاءِ لاَ يَخْتَلِفُ، وَيُعْطَى مَنْ لَهُ الدَّيْنُ عَلَيْهِمْ أَحَبُّ إلَيَّ، وَلَوْ أَعْطَوْهُ فِي دَيْنِهِمْ رَجَوْت أَنْ يَسَعَ‏.‏

باب الْوَصِيَّةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ وَإِذَا أَوْصَى الرَّجُلُ بِثُلُثِ مَالِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُعْطِيه مَنْ أَرَادَ الْغَزْوَ لاَ يَجْزِي عِنْدِي غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ مِنْ وَجْهٍ بِأَنْ أَعْطَى فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَذْهَبُ إلَى غَيْرِ الْغَزْوِ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ مَا أُرِيدَ اللَّهُ بِهِ مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ‏.‏

وَالْقَوْلُ فِي أَنْ يُعْطَاهُ مَنْ غَزَا مِنْ غَيْرِ الْبَلَدِ الَّذِي بِهِ مَالُ الْمُوصِي وَيَجْمَعُ عُمُومَهُمْ، وَإِنْ يُعْطُوا بِقَدْرِ مَغَازِيهِمْ إذَا بَعُدَتْ وَقَرُبَتْ مِثْلُ الْقَوْلِ فِي أَنْ تُعْطَى الْمَسَاكِينُ بِقَدْرِ مَسْكَنَتِهِمْ لاَ يَخْتَلِفُ، وَفِي أَقَلِّ مَنْ يُعْطَاهُ، وَفِي مُجَاوَزَتِهِ إلَى بَلَدِ غَيْرِهِ مِثْلُ الْقَوْلِ فِي الْمَسَاكِينِ لاَ يَخْتَلِفُ، وَلَوْ قَالَ‏:‏ أَعْطَوْهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ فِي سَبِيلِ الْخَيْرِ، أَوْ فِي سَبِيل الْبِرِّ، أَوْ فِي سَبِيلِ الثَّوَابِ جُزِّئَ أَجْزَاءً فَأُعْطِيه ذُو قَرَابَتِهِ فُقَرَاءَ كَانُوا أَوْ أَغْنِيَاءَ، وَالْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ، وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ، وَالْغُزَاةُ، وَابْنُ السَّبِيلِ، وَالْحَاجُّ، وَدَخَلَ الضَّيْفُ وَابْنُ السَّبِيلِ وَالسَّائِلُ وَالْمُعْتَرُّ فِيهِمْ، أَوْ فِي الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ لاَ يُجَزِّئُ عِنْدِيِّ غَيْرُهُ أَنْ يُقَسَّمَ بَيْنَ هَؤُلاَءِ لِكُلِّ صِنْفُ مِنْهُمْ سَهْمٌ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ الْوَصِيُّ ضَمِنَ سَهْمَ مَنْ مَنَعَهُ إذَا كَانَ مَوْجُودًا وَمَنْ لَمْ يَجِدْهُ حَبَسَ لَهُ سَهْمَهُ حَتَّى يَجِدَهُ بِذَلِكَ الْبَلَدِ، أَوْ يُنْقَلَ إلَى أَقْرَبِ الْبُلْدَانِ بِهِ مِمَّنْ فِيهِ ذَلِكَ الصِّنْفُ فَيُعْطُونَهُ‏.‏

باب الْوَصِيَّةِ فِي الْحَجِّ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ وَإِذَا مَاتَ الرَّجُلُ وَكَانَ قَدْ حَجَّ حَجَّةَ الْإِسْلاَمِ فَأَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ فَإِنْ بَلَغَ ثُلُثُهُ حَجَّةً مِنْ بَلَدِهِ أَحَجَّ عَنْهُ رَجُلاً مِنْ بَلَدِهِ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ أَحَجَّ عَنْهُ رَجُلاً مِنْ حَيْثُ بَلَغَ ثُلُثُهُ‏.‏ قَالَ الرَّبِيعُ الَّذِي يَذْهَبُ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ مَنْ لَمْ يَكُنْ حَجَّ حَجَّةَ الْإِسْلاَمِ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَأَقَلُّ ذَلِكَ مِنْ الْمِيقَاتِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَلَوْ قَالَ‏:‏ أَحِجُّوا عَنِّي فُلاَنًا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَكَانَتْ الْمِائَةُ أَكْثَرَ مِنْ إجَارَتِهِ أُعْطِيهَا؛ لِأَنَّهَا وَصِيَّةٌ لَهُ كَانَ بِعَيْنِهِ، أَوْ بِغَيْرِ عَيْنِهِ مَا لَمْ يَكُنْ وَارِثًا، فَإِنْ كَانَ وَارِثًا فَأَوْصَى لَهُ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ أَجْرِ مِثْلِهِ قِيلَ‏:‏ لَهُ إنْ شِئْت فَأَحْجِجْ عَنْهُ بِأَجْرِ مِثْلِك وَيُبْطِلُ الْفَضْلُ عَنْ أَجْرِ مِثْلِك؛ لِأَنَّهَا وَصِيَّةٌ وَالْوَصِيَّةُ لِوَارِثٍ لاَ تَجُوزُ، وَإِنْ لَمْ تَشَأْ أَحَجَجْنَا عَنْهُ غَيْرَك بِأَقَلِّ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ مِنْ بَلَدِهِ، وَالْإِجَارَةُ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا مُحَابَاةٌ فَلَيْسَتْ بِوَصِيَّةٍ، أَلاَ تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى أَنْ يُشْتَرَى عَبْدٌ لِوَارِثٍ فَيُعْتَقُ فَاشْتُرِيَ بِقِيمَتِهِ جَازَ‏؟‏ وَهَكَذَا لَوْ أَوْصَى أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ فَقَالَ‏:‏ وَارِثُهُ أَنَا أَحُجُّ عَنْهُ بِأَجْرِ مِثْلِي جَازَ لَهُ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ بِأَجْرِ مِثْلِهِ‏.‏

قَالَ وَلَوْ قَالَ‏:‏ أَحِجُّوا عَنِّي بِثُلُثَيْ حُجَّةٍ وَثُلُثُهُ يَبْلُغُ أَكْثَرُ مِنْ حِجَجٍ جَازَ ذَلِكَ لِغَيْرِ وَارِثٍ، وَلَوْ قَالَ‏:‏ أَحِجُّوا عَنِّي بِثُلُثِي وَثُلُثُهُ يَبْلُغُ حِجَجًا فَمَنْ أَجَازَ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ مُتَطَوِّعًا أَحَجَّ عَنْهُ بِثُلُثِهِ بِقَدْرِ مَا بَلَغَ لاَ يَزِيدُ أَحَدًا وَيَحُجُّ عَنْهُ عَلَى أَجْرِ مِثْلِهِ فَإِنْ فَضَلَ مِنْ ثُلُثِهِ مَا لاَ يَبْلُغُ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ بَلَدِهِ أَحَجَّ عَنْهُ مِنْ أَقْرَبِ الْبُلْدَانِ إلَى مَكَّةَ حَتَّى يَنْفَدَ ثُلُثُهُ‏.‏

فَإِنْ فَضَلَ دِرْهَمٌ، أَوْ أَقَلُّ مِمَّا لاَ يَحُجُّ عَنْهُ بِهِ أَحَدٌ رُدَّ مِيرَاثًا وَكَانَ كَمَنْ أَوْصَى لِمَنْ لَمْ يَقْبَلْ الْوَصِيَّةَ‏.‏

قَالَ فَإِنْ أَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ حَجَّةً أَوْ حِجَجًا فِي قَوْلِ مَنْ أَجَازَ أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ فَأَحَجَّ عَنْهُ ضَرُورَةً لَمْ يَحُجَّ، فَالْحَجُّ عَنْ الْحَاجِّ لاَ عَنْ الْمَيِّتِ وَيَرُدُّ الْحَاجُّ جَمِيعَ الْأُجْرَةِ‏.‏

قَالَ‏:‏ وَلَوْ اُسْتُؤْجِرَ عَنْهُ مَنْ حَجَّ فَأَفْسَدَ الْحَجَّ رُدَّ جَمِيعُ الْإِجَارَةِ؛ لِأَنَّهُ أَفْسَدَ الْعَمَلَ الَّذِي اُسْتُؤْجِرَ عَلَيْهِ، وَلَوْ أَحَجُّوا عَنْهُ امْرَأَةً أَجْزَأَ عَنْهُ وَكَانَ الرَّجُلُ أَحَبُّ إلَيَّ، وَلَوْ أَحَجُّوا رَجُلاً عَنْ امْرَأَةٍ أَجْزَأَ عَنْهَا‏.‏

قَالَ وَإِحْصَارُ الرَّجُلِ عَنْ الْحَجِّ مَكْتُوبٌ فِي كِتَابِ الْحَجِّ، وَإِذَا أَوْصَى الرَّجُلُ أَنْ يُحِجُّوا عَنْهُ رَجُلاً فَمَاتَ الرَّجُلُ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ أَحَجَّ عَنْهُ غَيْرَهُ كَمَا لَوْ أَوْصَى أَنْ يَعْتِقَ عَنْهُ رَقَبَةً فَابْتِيعَتْ فَلَمْ تُعْتَقْ حَتَّى مَاتَتْ أَعْتَقَ عَنْهُ أُخْرَى، وَلَوْ أَوْصَى رَجُلٌ قَدْ حَجَّ حِجَّةَ الْإِسْلاَمِ فَقَالَ‏:‏ أَحِجُّوا عَنِّي فُلاَنًا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَأَعْطُوا مَا بَقِيَ مِنْ ثُلُثِي فُلاَنًا وَأَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِرَجُلٍ بِعَيْنِهِ فَلِلْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ نِصْفُ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَوْصَى لَهُ بِالثُّلُثِ وَلِلْحَاجِّ وَلِلْمُوصَى لَهُ بِمَا بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ نِصْفُ الثُّلُثِ وَيَحُجُّ عَنْهُ رَجُلٌ بِمِائَةِ‏.‏

باب الْعِتْقِ وَالْوَصِيَّةِ فِي الْمَرَضِ

أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ رَجُلاً أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ لَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ فَعِتْقُ الْبَتَاتِ فِي الْمَرَضِ إذَا مَاتَ الْمُعْتِقُ مِنْ الثُّلُثِ، وَهَكَذَا الْهِبَاتُ وَالصَّدَقَاتُ فِي الْمَرَضِ؛ لِأَنَّ كُلَّهُ شَيْءٌ أَخْرَجَهُ الْمَالِكُ مِنْ مِلْكِهِ بِلاَ عِوَضِ مَالٍ أَخَذَهُ، فَإِذَا أَعْتَقَ الْمَرِيضُ عِتْقَ بَتَاتٍ وَعِتْقَ تَدْبِيرٍ لِوَصِيَّةٍ بُدِئَ بِعِتْقِ الْبَتَاتِ قَبْلَ عِتْقِ التَّدْبِيرِ وَالْوَصِيَّةِ وَجَمِيعِ الْوَصَايَا فَإِنْ فَضَلَ مِنْ الثُّلُثِ فَضْلٌ عَتَقَ مِنْهُ التَّدْبِيرُ وَالْوَصَايَا وَأُنْفِذَتْ الْوَصَايَا لِأَهْلِهَا، وَإِنْ لَمْ يَفْضُلُ مِنْهُ فَضْلٌ لَمْ تَكُنْ وَصِيَّةً وَكَانَ كَمَنْ مَاتَ لاَ مَالَ لَهُ، وَهَكَذَا كُلُّ مَا وَهَبَ فَقَبَضَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ فَقَبَضَهُ؛ لِأَنَّ مَخْرَجَ ذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ وَأَنَّهُ مَمْلُوكٌ عَلَيْهِ إنْ عَاشَ بِكُلِّ حَالٍ لاَ يَرْجِعُ فِيهِ فَهِيَ كَمَا لَزِمَهُ بِكُلِّ حَالٍ فِي ثُلُثِ مَالِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَفِي جَمِيعِ مَالِهِ إنْ كَانَتْ لَهُ صِحَّةٌ وَالْوَصَايَا بَعْدَ الْمَوْتِ لَمْ تَلْزَمْهُ إلَّا بَعْدَ مَوْتِهِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا فِي حَيَاتِهِ، فَإِذَا أَعْتَقَ رَقِيقًا لَهُ لاَ مَالَ لَهُ غَيْرَهُمْ فِي مَرَضِهِ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ تَحْدُثُ لَهُ صِحَّةٌ فَإِنْ كَانَ عِتْقُهُ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ‏:‏ إنَّهُمْ أَحْرَارٌ، أَوْ يَقُولَ رَقِيقِي أَوْ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فَأُعْتِقَ ثُلُثُهُ وَأَرَقَّ الثُّلُثَانِ، وَإِنْ أَعْتَقَ وَاحِدًا، أَوْ اثْنَيْنِ ثُمَّ أَعْتَقَ مَنْ بَقِيَ بُدِئَ بِالْأَوَّلِ مِمَّنْ أُعْتِقَ فَإِنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ فَهُوَ حُرٌّ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ عَتَقَ مَا خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ وَرُقَّ مَا بَقِيَ، وَإِنْ فَضَلَ مِنْ الثُّلُثِ شَيْءٌ عَتَقَ الَّذِي يَلِيه‏.‏

ثُمَّ هَكَذَا أَبَدًا لاَ يُعْتَقُ وَاحِدٌ حَتَّى يُعْتَقَ الَّذِي بَدَأَ بِعِتْقِهِ، فَإِنْ فَضَلَ فَضْلٌ عَتَقَ الَّذِي يَلِيه؛ لِأَنَّهُ لَزِمَهُ عِتْقُ الْأَوَّلِ قَبْلَ الثَّانِي، وَأَحْدَثَ عِتْقُ الثَّانِي، وَالْأَوَّلُ خَارِجٌ مِنْ مِلْكِهِ بِكُلِّ حَالٍ إنْ صَحَّ وَكُلُّ حَالٍ بَعْدَ الْمَوْتِ إنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ، فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ مِنْ الثُّلُثِ شَيْءٌ بَعْدَ عِتْقِهِ فَإِنَّمَا أُعْتِقَ، وَلاَ ثُلُثَ لَهُ‏.‏

قَالَ وَهَكَذَا لَوْ قَالَ‏:‏ لِثَلاَثَةِ أَعْبُدٍ لَهُ‏:‏ أَنْتُمْ أَحْرَارٌ‏.‏

ثُمَّ قَالَ‏:‏ مَا بَقِيَ مِنْ رَقِيقِي حُرٌّ بُدِئَ بِالثَّلاَثَةِ‏.‏

فَإِنْ خَرَجُوا مِنْ الثُّلُثِ أُعْتِقُوا مَعًا، وَإِنْ عَجَزَ الثُّلُثُ عَنْهُمْ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، وَإِنْ عَتَقُوا مَعًا وَفَضَلَ مِنْ الثُّلُثِ شَيْءٌ أَقْرَعَ بَيْنَ مَنْ بَقِيَ مِنْ رَقِيقِهِ إنْ لَمْ يَحْمِلْهُمْ الثُّلُثُ، وَلَوْ كَانَ مَعَ هَؤُلاَءِ مُدَبَّرُونَ وَعَبِيدٌ‏.‏

وَقَالَ‏:‏ إنْ مِتُّ مِنْ مَرَضِي فَهُمْ أَحْرَارٌ بُدِئَ بِاَلَّذِينَ أَعْتَقَ عِتْقَ الْبَتَاتِ فَإِنْ خَرَجُوا مِنْ الثُّلُثِ، وَلَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ لَمْ يُعْتَقْ مُدَبَّرٌ، وَلاَ مُوصًى بِعِتْقِهِ بِعَيْنِهِ، وَلاَ صِفَتِهِ، وَإِنْ فَضَلَ مِنْ الثُّلُثِ عِتْقُ الْمُدَبَّرِ وَالْمُوصِي بِعِتْقِهِ بِعَيْنِهِ وَصِفَتِهِ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ أَنْ يُعْتِقُوا مِنْهُ كَانُوا فِي الْعِتْقِ سَوَاءً لاَ يَبْدَأُ الْمُدَبَّرُ عَلَى عِتْقِ الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّ كُلًّا وَصِيَّةٌ، وَلاَ يُعْتَقُ بِحَالٍ إلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي كُلٍّ فِي حَيَاتِهِ، وَلَوْ كَانَ فِي الْمُعْتَقِينَ فِي الْمَرَضِ عِتْقُ بَتَاتِ إمَاءٍ فَوَلَدْنَ بَعْدَ الْعِتْقِ وَقَبْلَ مَوْتِ الْمُعْتِقِ فَخَرَجُوا مِنْ الثُّلُثِ، وَلَمْ يَخْرُجْ الْوَلَدُ عَتَقُوا، وَالْإِمَاءُ مِنْ الثُّلُثِ وَالْأَوْلاَدُ أَحْرَارٌ مِنْ غَيْرِ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّهُمْ أَوْلاَدُ حَرَائِرَ‏.‏

وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا وَكَانَ الثُّلُثُ ضَيِّقًا عَنْ أَنْ يَخْرُجَ جَمِيعُ مَنْ أَعْتَقَ مِنْ الرَّقِيقِ عِتْقَ بَتَاتِ قَوْمِنَا، وَالْإِمَاءُ كُلُّ أَمَةٍ مِنْهُنَّ مَعَهَا وَلَدُهَا لاَ يُفَرَّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ‏.‏

ثُمَّ أَقْرَعْنَا بَيْنَهُمْ فَأَيَّ أَمَةٍ خَرَجَتْ فِي سَهْمِ الْعِتْقِ عَتَقَتْ مِنْ الثُّلُثِ وَتَبِعَهَا وَلَدُهَا مِنْ غَيْرِ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّا قَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ وَلَدُ حُرَّةٍ لاَ يَرِقُّ، وَإِذَا أَلْغَيْنَا قِيَمَ الْأَوْلاَدِ الَّذِينَ عَتَقُوا بِعِتْقِ أُمِّهِمْ فَزَادَ الثُّلُثُ أَعَدْنَا الْقُرْعَةَ بَيْنَ مَنْ بَقِيَ‏.‏

فَإِنْ خَرَجَتْ أَمَةٌ مَعَهَا وَلَدُهَا أُعْتِقَتْ مِنْ الثُّلُثِ وَعَتَقَ وَلَدُهَا؛ لِأَنَّهُ ابْنُ حُرَّةٍ مِنْ غَيْرِ الثُّلُثِ، فَإِنْ بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ شَيْءٌ أَعَدْنَاهُ هَكَذَا أَبَدًا حَتَّى نستوظفه كُلَّهُ‏.‏

قَالَ وَإِنْ ضَاقَ مَا يَبْقَى مِنْ الثُّلُثِ فَعَتَقَ ثُلُثُ أُمِّ وَلَدٍ مِنْهُنَّ عِتْقُ ثُلُثِ وَلَدِهَا مَعَهَا وَرُقَّ ثُلُثَاهُ كَمَا رُقَّ ثُلُثَاهَا‏.‏

وَيَكُونُ حُكْمُ وَلَدِهَا حُكْمَهَا فَمَا عَتَقَ مِنْهَا قَبْلَ وِلاَدِهِ عَتَقَ مِنْهُ، وَإِذَا وَقَعَتْ عَلَيْهَا قُرْعَةُ الْعِتْقِ فَإِنَّمَا أَعْتَقْنَاهَا قَبْلَ الْوِلاَدَةِ‏.‏

وَهَكَذَا لَوْ وَلَدَتْهُمْ بَعْدَ الْعِتْقِ الْبَتَاتِ وَمَوْتِ الْمُعْتِقِ لِأَقَلِّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، أَوْ أَكْثَرَ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَإِذَا أَوْصَى الرَّجُلُ بِعِتْقِ أَمَةٍ بَعْدَ مَوْتِهِ فَإِنْ مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ، أَوْ سَفَرِهِ فَوَلَدَتْ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ الْمُوصِي فَوَلَدُهَا مَمَالِيكُ؛ لِأَنَّهُمْ وُلِدُوا قَبْلَ أَنْ يَعْتِقَ فِي الْحِينِ الَّذِي لَوْ شَاءَ أَرَقَّهَا وَبَاعَهَا، وَفِي الْحِينِ الَّذِي لَوْ صَحَّ بَطُلَتْ وَصِيَّتُهَا، وَلَوْ كَانَ عِتْقُهَا تَدْبِيرًا كَانَ فِيهِ قَوْلاَنِ‏:‏ أَحَدُهُمَا هَذَا؛ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ فِي التَّدْبِيرِ، وَالْآخَرُ أَنَّ وَلَدَهَا بِمَنْزِلَتِهَا؛ لِأَنَّهُ عِتْقٌ وَاقِعٌ بِكُلِّ حَالٍ مَا لَمْ يَرْجِعْ فِيهِ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الرَّجُلِ يُوصِي بِالْعِتْقِ وَوَصَايَا غَيْرُهُ فَقَالَ‏:‏ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمُفْتِينَ يُبْدَأُ بِالْعِتْقِ ثُمَّ يُجْعَلُ مَا بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ فِي الْوَصَايَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الثُّلُثِ فَضْلٌ عَنْ الْعِتْقِ فَهُوَ رَجُلٌ أَوْصَى فِيمَا لَيْسَ لَهُ‏.‏

قَالَ وَلَسْت أَعْرِفُ فِي هَذَا أَمْرًا يَلْزَمُ مِنْ أَثَرٍ ثَابِتٍ، وَلاَ إجْمَاعٍ لاَ اخْتِلاَفَ فِيهِ ثُمَّ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَنْ قَالَ‏:‏ هَذَا فِي الْعِتْقِ مَعَ الْوَصَايَا فَقَالَ‏:‏ مَرَّةً بِهَذَا وَفَارَقَهُ أُخْرَى فَزَعَمَ أَنَّ مَنْ قَالَ‏:‏ لِعَبْدِهِ إذَا مِتُّ فَأَنْتَ حُرٌّ وَقَالَ‏:‏ إنْ مِتُّ مِنْ مَرَضِي هَذَا فَأَنْتَ حُرٌّ فَأَوْقَع لَهُ عِتْقًا بِمَوْتِهِ بِلاَ وَقْتٍ بُدِئَ بِهَذَا عَلَى الْوَصَايَا فَلَمْ يَصِلْ إلَى أَهْلِ الْوَصَايَا وَصِيَّةٌ إلَّا فَضْلاً عَنْ هَذَا وَقَالَ‏:‏ إذَا قَالَ‏:‏ اعْتِقُوا عَبْدِي هَذَا بَعْدَ مَوْتِي، أَوْ قَالَ‏:‏ عَبْدِي هَذَا حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي بِيَوْمٍ، أَوْ بِشَهْرٍ، أَوْ وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ لَمْ يُبْدَأْ بِهَذَا عَلَى الْوَصَايَا وَحَاصَّ هَذَا أَهْلُ الْوَصَايَا وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ قِيلَ‏:‏ يَبْدَأُ بِالْعِتْقِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ وَمَا أَعْلَمُهُ قَالَ يَبْدَأُ بِالْعِتْقِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ مُطْلَقًا، وَلاَ يُحَاصُّ الْعِتْقُ الْوَصِيَّةَ مُطْلَقًا بَلْ فَرَّقَ الْقَوْلَ فِيهِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ فِيمَا أَرَى وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ‏.‏

قَالَ وَلاَ يَجُوزُ فِي الْعِتْقِ فِي الْوَصِيَّةِ إلَّا وَاحِدٌ مِنْ قَوْلَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ الْعِتْقُ إذَا وَقَعَ بِأَيِّ حَالٍ مَا كَانَ بُدِئَ عَلَى جَمِيعِ الْوَصَايَا فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا شَيْءٌ حَتَّى يَكْمُلَ الْعِتْقُ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْعِتْقُ وَصِيَّةً مِنْ الْوَصَايَا يُحَاصُّ بِهَا الْمُعْتِقُ أَهْلَ الْوَصَايَا فَيُصِيبُهُ مِنْ الْعِتْقِ مَا أَصَابَ أَهْلَ الْوَصَايَا مِنْ وَصَايَاهُمْ وَيَكُونُ كُلُّ عِتْقٍ كَانَ وَصِيَّةً بَعْدَ الْمَوْتِ بِوَقْتٍ، أَوْ بِغَيْرِ وَقْتٍ سَوَاءً، أَوْ يُفَرِّقُ بَيْنَ ذَلِكَ خَبَرٌ لاَزِمٌ، أَوْ إجْمَاعٌ، وَلاَ أَعْلَمُ فِيهِ وَاحِدًا مِنْهُمَا فَمَنْ قَالَ‏:‏ عَبْدِي مُدَبَّرٌ، أَوْ عَبْدِي هَذَا حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي، أَوْ مَتَى مِتُّ، أَوْ إنْ مِتُّ مِنْ مَرَضِي هَذَا، أَوْ أَعْتِقُوهُ بَعْدَ مَوْتِي، أَوْ هُوَ مُدَبِّرٌ فِي حَيَاتِي، فَإِذَا مِتُّ فَهُوَ حُرٌّ فَهُوَ كُلُّهُ سَوَاءٌ وَمَنْ جَعَلَ الْمُعْتِقَ يُحَاصُّ أَهْلَ الْوَصَايَا فَأَوْصَى مَعَهُ بِوَصِيَّةٍ حَاصَّ الْعَبْدُ فِي نَفْسِهِ أَهْلَ الْوَصَايَا فِي وَصَايَاهُمْ فَأَصَابَهُ مِنْ الْعِتْقِ مَا أَصَابَهُمْ وَرَقَّ مِنْهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ ثَمَنُ الْعَبْدِ خَمْسِينَ دِينَارًا وَقِيمَةُ مَا يَبْقَى مِنْ ثُلُثِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ خَمْسِينَ دِينَارًا فَيُوصَى بِعِتْقِ الْعَبْدِ وَيُوصِي لِرَجُلٍ بِخَمْسِينَ دِينَارًا وَلاَخِرَ بِمِائَةِ دِينَارٍ فَيَكُونُ ثُلُثُهُ مِائَةً وَوَصِيَّتُهُ مِائَتَيْنِ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُوصَى لَهُمْ نِصْفُ وَصِيَّتِهِ فَيَعْتِقُ نِصْفَ الْعَبْدِ وَيَرِقُّ نِصْفَهُ وَيَكُونُ لِصَاحِبِ الْخَمْسِينَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ وَلِلْمُوصَى لَهُ بِالْمِائَةِ خَمْسُونَ‏.‏

باب التَّكْمِلاَتِ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى، وَلَوْ أَوْصَى رَجُلٌ لِرَجُلٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ مِنْ مَالِهِ، أَوْ بِدَارٍ مَوْصُوفَةٍ بِعَيْنٍ، أَوْ بِصِفَةٍ، أَوْ بِعَبْدٍ كَذَلِكَ، أَوْ مَتَاعٍ، أَوْ غَيْرِهِ وَقَالَ‏:‏ ثُمَّ مَا فَضَلَ مِنْ ثُلُثِي فَلِفُلاَنٍ كَانَ ذَلِكَ كَمَا قَالَ‏:‏ يُعْطَى الْمُوصَى لَهُ بِالشَّيْءِ بِعَيْنِهِ، أَوْ صِفَتِهِ مَا أَوْصَى لَهُ بِهِ فَإِنْ فَضَلَ مِنْ الثُّلُثِ شَيْءٌ كَانَ لِلْمُوصَى لَهُ بِمَا فَضَلَ مِنْ الثُّلُثِ، وَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ فَلاَ شَيْءَ لَهُ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَلَوْ كَانَ الْمُوصَى لَهُ بِهِ عَبْدًا، أَوْ شَيْئًا يُعْرَفُ بِعَيْنٍ، أَوْ صِفَةٍ مِثْلُ عَبْدٍ، أَوْ دَارٍ، أَوْ عَرَضٍ مِنْ الْعُرُوضِ فَهَلَكَ ذَلِكَ الشَّيْءُ هَلَكَ مِنْ مَالِ الْمُوصَى لَهُ وَقَوْمٍ مِنْ الثُّلُثِ ثُمَّ أَعْطَى الَّذِي أَوْصَى لَهُ بِتَكْمِلَةِ الثُّلُثِ مَا فَضَلَ عَنْ قِيمَةِ الْهَالِكِ كَمَا يُعْطَاهُ لَوْ سَلَّمَ الْهَالِكَ فَدَفَعَ إلَى الْمُوصَى لَهُ بِهِ قَالَ وَلَوْ كَانَ الْمُوصَى بِهِ عَبْدًا فَمَاتَ الْمُوصِي، وَهُوَ صَحِيحٌ ثُمَّ اعْوَرَّ قُوِّمَ صَحِيحًا بِحَالِهِ يَوْمَ مَاتَ الْمُوصِي وَبِقِيمَةِ مِثْلِهِ يَوْمَئِذٍ فَأَخْرَجَ مِنْ الثُّلُثِ وَدَفَعَ إلَى الْمُوصَى لَهُ بِهِ كَهَيْئَتِهِ نَاقِصًا، أَوْ تَامًّا وَأَعْطَى الْمُوصَى لَهُ بِمَا فَضَلَ عَنْهُ مَا فَضَلَ عَنْ الثُّلُثِ‏:‏ وَإِنَّمَا الْقِيمَةُ فِي جَمِيعِ مَا أَوْصَى بِهِ بِعَيْنِهِ يَوْمَ يَمُوتُ الْمَيِّتُ، وَذَلِكَ يَوْمَ تَجِبُ الْوَصِيَّةُ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَإِذَا قَالَ‏:‏ الرَّجُلُ ثُلُثُ مَالِي إلَى فُلاَنٍ يَضَعُهُ حَيْثُ أَرَاهُ اللَّهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ لِنَفْسِهِ شَيْئًا كَمَا لاَ يَكُونُ لَهُ لَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَبِيعَ لَهُ شَيْئًا أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى يَبِيعُهُ أَنْ يَكُونَ مُبَايَعًا بِهِ، وَهُوَ لاَ يَكُونُ مُبَايَعًا إلَّا لِغَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ مَعْنَى يَضَعُهُ يُعْطِيهِ غَيْرَهُ، وَكَذَلِكَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ وَارِثًا لِلْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَجُوزُ لَهُ مَا كَانَ يَجُوزُ لِلْمَيِّتِ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ أَنْ يُعْطِيَهُ لَمْ يَجُزْ لِمَنْ صَيَّرَهُ إلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَ مِنْهُ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ‏.‏

قَالَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَضَعَهُ فِيمَا لَيْسَ لِلْمَيِّتِ فِيهِ نَظَرٌ كَمَا لَيْسَ لَهُ لَوْ وَكَّلَهُ بِشَيْءٍ أَنْ يَفْعَلَ فِيهِ مَا لَيْسَ لَهُ فِيهِ نَظَرٌ، وَلاَ يَكُونُ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ عِنْدَ نَفْسِهِ، وَلاَ يُودِعَهُ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ لاَ أَجْرَ لِلْمَيِّتِ فِي هَذَا، وَإِنَّمَا الْأَجْرُ لِلْمَيِّتِ فِي أَنْ يَسْلُكَ فِي سَبِيلِ الْخَيْرِ الَّتِي يُرْجَى أَنْ تُقَرِّبَهُ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ فَأَخْتَارُ لِلْمُوصَى إلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُ أَهْلَ الْحَاجَةِ مِنْ قَرَابَةِ الْمَيِّتِ حَتَّى يُعْطِيَ كُلَّ رَجُلٍ مِنْهُمْ دُونَ غَيْرِهِمْ، فَإِنَّ إعطاءهموه أَفْضَلُ مِنْ إعْطَاءِ غَيْرِهِمْ لِمَا يَنْفَرِدُونَ بِهِ مِنْ صِلَةِ قَرَابَتِهِمْ لِلْمَيِّتِ وَيُشْرِكُونَ بِهِ أَهْلَ الْحَاجَةِ فِي حَاجَاتِهِمْ‏.‏

قَالَ وَقَرَابَتُهُ مَا وَصَفْت مِنْ الْقَرَابَةِ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَالْأُمِّ مَعًا وَلَيْسَ الرَّضَاعُ قَرَابَةً‏.‏

قَالَ وَأُحِبُّ لَهُ إنْ كَانَ لَهُ رُضَعَاءُ أَنْ يُعْطِيَهُمْ دُونَ جِيرَانِهِ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الرَّضَاعِ تُقَابِلُ حُرْمَةَ النَّسَبِ ثُمَّ أُحِبُّ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ جِيرَانَهُ الْأَقْرَبَ مِنْهُمْ فَالْأَقْرَبَ‏.‏

وَأَقْصَى الْجِوَارِ فِيهَا أَرْبَعُونَ دَارًا مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ ثُمَّ أُحِبُّ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ أَفْقَرَ مَنْ يَجِدُهُ وَأَشَدَّهُ تَعَفُّفًا وَاسْتِتَارًا، وَلاَ يُبْقِي مِنْهُ فِي يَدِهِ شَيْئًا يُمْكِنُهُ أَنْ يَخْرُجَهُ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ‏.‏

باب الْوَصِيَّةِ لِلرَّجُلِ وَقَبُولِهِ وَرَدِّهِ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ وَإِذَا أَوْصَى الرَّجُلُ الْمَرِيضُ لِرَجُلٍ بِوَصِيَّةٍ مَا كَانَتْ ثُمَّ مَاتَ فَلِلْمُوصَى لَهُ قَبُولُ الْوَصِيَّةِ وَرَدُّهَا لاَ يُجْبَرُ أَنْ يَمْلِكَ شَيْئًا لاَ يُرِيدُ مِلْكَهُ بِوَجْهٍ أَبَدًا إلَّا بِأَنْ يَرِثَ شَيْئًا فَإِنَّهُ إذَا وَرِثَ لَمْ يَكُنْ لَهُ دَفْعُ الْمِيرَاثِ وَذَلِكَ أَنَّ حُكْمًا مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ نَقْلُ مِلْكِ الْمَوْتَى إلَى وَرَثَتِهِمْ مِنْ الْأَحْيَاءِ فَأَمَّا الْوَصِيَّةُ وَالْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ وَجَمِيعُ وُجُوهِ الْمِلْكِ غَيْرِ الْمِيرَاثِ فَالْمُمَلَّكُ لَهَا بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ قَبِلَهَا، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا، وَلَوْ أَنَّا أَجْبَرْنَا رَجُلاً عَلَى قَبُولِ الْوَصِيَّةِ أَجْبَرْنَاهُ إنْ أَوْصَى لَهُ بِعَبِيدٍ زَمْنَى أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِمْ فَأَدْخَلْنَا الضَّرَرَ عَلَيْهِ، وَهُوَ لَمْ يُحِبَّهُ، وَلَمْ يُدْخِلْهُ عَلَى نَفْسِهِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَلاَ يَكُونُ قَبُولٌ، وَلاَ رَدٌّ فِي وَصِيَّةِ حَيَاةِ الْمُوصِي، فَلَوْ قَبِلَ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي كَانَ لَهُ الرَّدُّ إذَا مَاتَ، وَلَوْ رَدَّ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي كَانَ لَهُ أَنْ يَقْبَلَ إذَا مَاتَ وَيُجْبَرُ الْوَرَثَةُ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْوَصِيَّةَ لَمْ تَجِبْ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي‏.‏

فَأَمَّا فِي حَيَاتِهِ فَقَبُولُهُ وَرَدُّهُ وَصَمْتُهُ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِيمَا لَمْ يَمْلِكْ‏.‏

قَالَ وَهَكَذَا لَوْ أَوْصَى لَهُ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ وَوَلَدِهِ كَانُوا كَسَائِرِ الْوَصِيَّةِ إنْ قَبِلَهُمْ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي عَتَقُوا، وَإِنْ رَدَّهُمْ فَهُمْ مَمَالِيكُ تَرَكَهُمْ الْمَيِّتُ لاَ وَصِيَّةَ فِيهِمْ فَهُمْ لِوَرَثَتِهِ‏.‏

قَالَ الرَّبِيعُ فَإِنْ قَبِلَ بَعْضَهُمْ وَرَدَّ بَعْضًا كَانَ ذَلِكَ لَهُ وَعَتَقَ عَلَيْهِ مَنْ قَبِلَ، وَكَانَ مَنْ لَمْ يَقْبَلْ مَمْلُوكًا لِوَرَثَةِ الْمَيِّتِ، وَلَوْ مَاتَ الْمُوصِي ثُمَّ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْبَلَ، أَوْ يَرُدَّ كَانَ لِوَرَثَتِهِ أَنْ يَقْبَلُوا، أَوْ يَرُدُّوا فَمَنْ قَبِلَ مِنْهُمْ فَلَهُ نَصِيبُهُ بِمِيرَاثِهِ مِمَّا قَبِلَ وَمَنْ رَدَّ كَانَ مَا رَدَّ لِوَرَثَةِ الْمَيِّتِ‏.‏

وَلَوْ أَنَّ رَجُلاً تَزَوَّجَ جَارِيَةَ رَجُلٍ فَوَلَدَتْ لَهُ ثُمَّ أَوْصَى لَهُ بِهَا وَمَاتَ فَلَمْ يَعْلَمْ الْمُوصَى لَهُ بِالْوَصِيَّةِ حَتَّى وَلَدَتْ لَهُ بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهَا أَوْلاَدًا كَثِيرًا‏.‏

فَإِنْ قَبِلَ الْوَصِيَّةَ فَمَنْ وَلَدَتْ لَهُ بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ لَهُ تَمْلِكُهُمْ بِمَا مَلَكَ بِهِ أُمَّهُمْ، وَإِذَا مَلَكَ وَلَدَهُ عَتَقُوا عَلَيْهِ، وَلَمْ تَكُنْ أُمُّهُمْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ حَتَّى تَلِدَ بَعْدَ قَبُولِهَا مِنْهُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ فَتَكُونُ بِذَلِكَ أُمَّ وَلَدٍ وَذَلِكَ أَنَّ الْوَطْءَ الَّذِي كَانَ قَبْلَ الْقَبُولِ إنَّمَا كَانَ وَطْءَ نِكَاحٍ وَالْوَطْءُ بَعْدَ الْقَبُولِ وَطْءَ مِلْكٍ وَالنِّكَاحُ مُنْفَسِخٌ، وَلَوْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَرُدَّ أَوْ يَقْبَلَ قَامَ وَرَثَتُهُ مَقَامَهُ، فَإِنْ قَبِلُوا الْوَصِيَّةَ فَإِنَّمَا مَلَكُوا لِأَبِيهِمْ فَأَوْلاَدُ أَبِيهِمْ الَّذِينَ وَلَدَتْ بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهَا الْمُوصِي أَحْرَارٌ وَأُمُّهُمْ مَمْلُوكَةٌ، وَإِنْ رَدُّوهَا كَانُوا مَمَالِيكَ كُلَّهُمْ وَأَكْرَهُ لَهُمْ رَدَّهَا، وَإِذَا قَبِلَ الْمُوصَى لَهُ الْوَصِيَّةَ بَعْدَ أَنْ تَجِبَ لَهُ بِمَوْتِ الْمُوصِي ثُمَّ رَدَّهَا فَهِيَ مَالٌ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ مَوْرُوثَةٌ عَنْهُ كَسَائِرِ مَالِهِ، وَلَوْ أَرَادَ بَعْدَ رَدِّهَا أَخْذَهَا بِأَنْ يَقُولَ إنَّمَا أَعْطَيْتُكُمْ مَا لَمْ تَقْبِضُوا جَازَ أَنْ يَقُولُوا لَهُ لَمْ تَمْلِكْهَا بِالْوَصِيَّةِ دُونَ الْقَبُولِ‏.‏

فَلَمَّا كُنْت إذَا قَبِلْت مَلِكَتَهَا، وَإِنْ لَمْ تَقْبِضْهَا؛ لِأَنَّهَا لاَ تُشْبِهُ هِبَاتِ الْأَحْيَاءِ الَّتِي لاَ يَتِمُّ مِلْكُهَا إلَّا بِقَبْضِ الْمَوْهُوبَةِ لَهُ لَهَا جَازَ عَلَيْك مَا تُرِكَتْ مِنْ ذَلِكَ كَمَا جَازَ لَك مَا أَعْطَيْت بِلاَ قَبْضٍ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَجَازَ لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا‏:‏ ردكها إبْطَالٌ لِحَقِّك فِيمَا أَوْصَى لَك بِهِ الْمَيِّتُ وَرَدٌّ إلَى مِلْكِ الْمَيِّتِ فَيَكُونُ مَوْرُوثًا عَنْهُ‏.‏

قَالَ وَلَوْ قَبِلَهَا ثُمَّ قَالَ‏:‏ قَدْ تَرَكْتُهَا لِفُلاَنٍ مِنْ بَيْنِ الْوَرَثَةِ، أَوْ كَانَ لَهُ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ فَقَالَ‏:‏ فَقَدْ تَرَكْته لِفُلاَنٍ مِنْ بَيْنِ الْوَرَثَةِ قِيلَ‏:‏ قَوْلُك تَرَكْته لِفُلاَنٍ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ أَظْهَرُهُمَا تَرَكْته تَشْفِيعًا لِفُلاَنٍ، أَوْ تَقَرُّبًا إلَى فُلاَنٍ فَإِنْ كُنْت هَذَا أَرَدْت فَهَذَا مَتْرُوكٌ لِلْمَيِّتِ فَهُوَ بَيْنَ وَرَثَتِهِ كُلِّهِمْ وَأَهْلِ وَصَايَاهُ وَدَيْنِهِ كَمَا تَرَكَ، وَإِنْ مِتَّ قَبْلَ أَنْ تَسْأَلَ فَهُوَ هَكَذَا؛ لِأَنَّ هَذَا أَظْهَرُ مَعَانِيهِ كَمَا تَقُولُ عَفَوْت عَنْ دَيْنِي عَلَى فُلاَنٍ لِفُلاَنٍ وَوَضَعْت عَنْ فُلاَنٍ حَقِّي لِفُلاَنٍ أَيْ بِشَفَاعَةِ فُلاَنٍ، أَوْ حِفْظِ فُلاَنٍ أَوْ التَّقَرُّبِ إلَى فُلاَنٍ، وَإِنْ لَمْ تَمُتْ فَسَأَلْنَاك فَقُلْت‏:‏ تَرَكْت وَصِيَّتِي أَوْ تَرَكْت دَيْنِي لِفُلاَنٍ وَهَبْته لِفُلاَنٍ مِنْ بَيْنِ الْوَرَثَةِ فَذَلِكَ لِفُلاَنٍ مِنْ بَيْنِ الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّهُ وَهَبَ لَهُ شَيْئًا يَمْلِكُهُ، وَإِذَا أَوْصَى رَجُلٌ لِرَجُلَيْنِ بِعَبْدٍ أَنَّ غَيْرَهُ فَقَبِلَ أَحَدُهُمَا وَرَدَّ الْآخَرُ فَلِلْقَابِلِ نِصْفُ الْوَصِيَّةِ وَنِصْفُ الْوَصِيَّةِ مَرْدُودٌ فِي مَالِ الْمَيِّتِ، وَلَوْ أَوْصَى رَجُلٌ لِرَجُلٍ بِجَارِيَةٍ فَمَاتَ الْمُوصِي، وَلَمْ يَقْبَلْ الْمُوصَى لَهُ، وَلَمْ يَرُدَّ حَتَّى وَهَبَ إنْسَانٌ لِلْجَارِيَةِ مِائَةَ دِينَارٍ وَالْجَارِيَةُ ثُلُثُ مَالِ الْمَيِّتِ، ثُمَّ قَبِلَ الْوَصِيَّةَ فَالْجَارِيَةُ لَهُ لاَ يَجُوزُ فِيمَا وَهَبَ لَهَا، وَفِي وَلَدٍ وَلَدَتْهُ بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ وَقَبْلَ قَبُولِ الْوَصِيَّةِ وَرَدِّهَا إلَّا وَاحِدٌ مِنْ قَوْلَيْنِ أَنْ يَكُونَ مَا وَهَبَ لِلْجَارِيَةِ، أَوْ وَلَدِهَا مِلْكًا لِلْمُوصَى لَهُ بِهَا؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ خَارِجَةً مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ إلَى مَالِهِ إلَّا أَنَّ لَهُ إنْ شَاءَ أَنْ يَرُدَّهَا‏.‏

وَمَنْ قَالَ‏:‏ هَذَا قَالَ‏:‏ هُوَ وَإِنْ كَانَ لَهُ رَدُّهَا فَإِنَّمَا رَدُّهَا إخْرَاجٌ لَهَا مِنْ مَالِهِ كَمَا لَهُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ مَالِهِ مَا شَاءَ، فَإِذَا كَانَتْ هِيَ وَمِلْكُ مَا وَهَبَ لِلْأَمَةِ وَوَلَدِهَا لِمَنْ يَمْلِكُهَا فَالْمُوصَى لَهُ بِهَا الْمَالِكُ لَهَا‏.‏

وَمَنْ قَالَ‏:‏ هَذَا قَالَ فَإِنْ اسْتَهْلَكَ رَجُلٌ مِنْ الْوَرَثَةِ شَيْئًا مِمَّا وَهَبَ لَهَا، أَوْ وَلَدَهَا فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ لِلْمُوصَى لَهُ بِهَا، وَكَذَلِكَ إنْ جَنَى أَجْنَبِيٌّ عَلَى مَالِهَا أَوْ نَفْسِهَا، أَوْ وَلَدِهَا فَالْمُوصَى لَهُ بِهَا إنْ قَبِلَ الْوَصِيَّةَ الْخَصْمُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَهُ، وَإِنْ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ بِهَا قَبْلَ الْقَبُولِ وَالرَّدِّ فَوَرَثَتُهُ يَقُومُونَ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ‏.‏

وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لِوَرَثَةِ الْمُوصِي، وَإِنَّ الْمُوصَى لَهُ إنَّمَا يَمْلِكُ إذَا اخْتَارَ قَبُولَ الْوَصِيَّةِ، وَهَذَا قَوْلٌ مُنْكَرٌ لاَ نَقُولُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْقَبُولَ إنَّمَا هُوَ عَلَى شَيْءٍ مُلِّكَ مُتَقَدَّمًا لَيْسَ بِمُلْكٍ حَادِثٍ، وَقَدْ قَالَ‏:‏ بَعْضُ النَّاسِ تَكُونُ لَهُ الْجَارِيَةُ وَثُلُثُ أَوْلاَدِهَا وَثُلُثُ مَا وَهَبَ لَهَا، وَإِنْ كَانَتْ الْجَارِيَةُ لاَ تَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ فَوَلَدَتْ أَوْلاَدًا بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي وَوَهَبَ لَهَا مَالاً‏.‏

لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ الشَّافِعِيُّ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ غَيْرُ هَذَا‏.‏ بَقِيَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْجَوَابُ‏.‏

باب مَا نُسِخَ مِنْ الْوَصَايَا

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى‏:‏ ‏{‏كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ‏}‏ الآيَةَ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَكَانَ فَرْضًا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَنْ تَرَكَ خَيْرًا وَالْخَيْرُ الْمَالُ أَنْ يُوصِيَ لِوَالِدَيْهِ وَأَقْرَبِيهِ ثُمَّ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْقُرْآنِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ الْوَارِثِينَ مَنْسُوخَةٌ وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَقْرَبِينَ غَيْرِ الْوَارِثِينَ فَأَكْثَرُ مَنْ لَقِيت مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِمَّنْ حَفِظْت عَنْهُ قَالَ الْوَصَايَا مَنْسُوخَةٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَمَرَ بِهَا إذَا كَانَتْ إنَّمَا يُورَثُ بِهَا فَلَمَّا قَسَّمَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرَهُ الْمَوَارِيثَ كَانَتْ تَطَوُّعًا‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَهَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى كُلُّهُ كَمَا قَالُوا، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ‏:‏ مَا دَلَّ عَلَى مَا وَصَفْت‏؟‏ قِيلَ‏:‏ لَهُ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ‏}‏ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ‏:‏ «لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» وَمَا وَصَفْت مِنْ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ مَنْسُوخَةٌ بِآيِ الْمَوَارِيثِ وَأَنْ لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ مِمَّا لاَ أَعْرِفُ فِيهِ عَنْ أَحَدٍ مِمَّنْ لَقِيت خِلاَفًا‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَإِذَا كَانَتْ الْوَصَايَا لِمَنْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِالْوَصِيَّةِ مَنْسُوخَةً بِآيِ الْمَوَارِيث وَكَانَتْ السُّنَّةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لاَ تَجُوزُ لِوَارِثٍ وَتَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا تَجُوزُ لِغَيْرِ قَرَابَةٍ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى نَسْخِ الْوَصَايَا لِلْوَرَثَةِ وَأَشْبَهُ أَنْ يَدُلَّ عَلَى نَسْخِ الْوَصَايَا لِغَيْرِهِمْ‏.‏

قَالَ وَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْوَصَايَا لِلْوَالِدَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّنْ يَرِثُ بِكُلِّ حَالٍ إذَا كَانَ فِي مَعْنًى غَيْرِ وَارِثٍ فَالْوَصِيَّةُ لَهُ جَائِزَةٌ، وَمِنْ قِبَلِ أَنَّهَا إنَّمَا بَطَلَتْ وَصِيَّتُهُ إذَا كَانَ وَارِثًا، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ وَارِثًا فَلَيْسَ بِمُبْطِلٍ لِلْوَصِيَّةِ، وَإِذَا كَانَ الْمُوصِي يَتَنَاوَلُ مَنْ شَاءَ بِوَصِيَّتِهِ كَانَ وَالِدُهُ دُونَ قَرَابَتِهِ إذَا كَانُوا غَيْرَ وَرَثَةٍ فِي مَعْنَى مَنْ لاَ يَرِثُ وَلَهُمْ حَقُّ الْقَرَابَةِ وَصِلَةُ الرَّحِمِ‏.‏

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ‏:‏ فَأَيْنَ الدَّلاَلَةُ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِغَيْرِ ذِي الرَّحِمِ جَائِزَةٌ‏؟‏ قِيلَ‏:‏ لَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ «أَنَّ رَجُلاً أَعْتَقَ مَمْلُوكِينَ لَهُ لَيْسَ لَهُ مَالٌ فِيهِمْ فَجَزَّأَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلاَثَةَ أَجْزَاءٍ فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً»، وَالْمُعْتِقُ عَرَبِيٌّ، وَإِنَّمَا كَانَتْ الْعَرَبُ تَمْلِكُ مَنْ لاَ قَرَابَةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ، فَلَوْ لَمْ تَجُزْ الْوَصِيَّةُ إلَّا لِذِي قَرَابَةٍ لَمْ تَجُزْ لِلْمَلُوكِينَ، وَقَدْ أَجَازَهَا لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

باب الْخِلاَفِ فِي الْوَصَايَا

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَالْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ مَا وَصَفْنَا مِنْ الِاسْتِدْلاَلِ بِالسُّنَّةِ وَقَوْلِ الْأَكْثَرِ مِمَّنْ لَقِينَا فَحَفِظْنَا عَنْهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ‏.‏

باب الْوَصِيَّةِ لِلزَّوْجَةِ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى‏:‏ ‏{‏وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ‏}‏ الْآيَةُ‏.‏ وَكَانَ فَرْضُ الزَّوْجَةِ أَنْ يُوصِي لَهَا الزَّوْجُ بِمَتَاعٍ إلَى الْحَوْلِ، وَلَمْ أَحْفَظْ عَنْ أَحَدٍ خِلاَفًا أَنَّ الْمَتَاعَ النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى وَالْكِسْوَةُ إلَى الْحَوْلِ وَثَبَتَ لَهَا السُّكْنَى فَقَالَ‏:‏ ‏{‏غَيْرُ إخْرَاجٍ‏}‏ ثُمَّ قَالَ‏:‏ ‏{‏فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ‏}‏ فَدَلَّ الْقُرْآنُ عَلَى أَنَّهُنَّ إنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَى الْأَزْوَاجِ؛ لِأَنَّهُنَّ تَرَكْنَ مَا فُرِضَ لَهُنَّ وَدَلَّ الْكِتَابُ الْعَزِيزُ إذَا كَانَ السُّكْنَى لَهَا فَرْضًا فَتَرَكَتْ حَقَّهَا فِيهِ، وَلَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الزَّوْجِ حَرَجًا أَنَّ مَنْ تَرَكَ حَقَّهُ غَيْرُ مَمْنُوعٍ لَهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْحَقِّ عَلَيْهِ‏.‏

ثُمَّ حَفِظْت عَمَّنْ أَرْضَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ نَفَقَةَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَكِسْوَتَهَا حَوْلاً مَنْسُوخٌ بِآيَةِ الْمَوَارِيثِ‏.‏ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ‏:‏ ‏{‏وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمْ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ‏}‏‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَلَمْ أَعْلَمْ مُخَالِفًا فِيمَا وَصَفْت مِنْ نَسْخِ نَفَقَةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا وَكِسْوَتُهَا سَنَةً وَأَقَلُّ مِنْ سَنَةٍ‏.‏

ثُمَّ احْتَمَلَ سُكْنَاهَا إذْ كَانَ مَذْكُورًا مَعَ نَفَقَتِهَا بِأَنَّهُ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَتَاعِ أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا فِي السُّنَّةِ وَأَقَلُّ مِنْهَا كَمَا كَانَتْ النَّفَقَةُ وَالْكِسْوَةُ مَنْسُوخَتَيْنِ فِي السُّنَّةِ وَأَقَلُّ مِنْهَا وَاحْتَمَلَ أَنْ تَكُونَ نُسِخَتْ فِي السُّنَّةِ وَأُثْبِتَتْ فِي عِدَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا بِأَصْلِ هَذِهِ الآيَةِ وَأَنْ تَكُونَ دَاخِلَةً فِي جُمْلَةِ الْمُعْتَدَّاتِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ فِي الْمُطَلَّقَاتِ «لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ، وَلاَ يَخْرُجْنَ إلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ» فَلَمَّا فَرَضَ اللَّهُ فِي الْمُعْتَدَّةِ مِنْ الطَّلاَقِ السُّكْنَى وَكَانَتْ الْمُعْتَدَّةُ مِنْ الْوَفَاةِ فِي مَعْنَاهَا احْتَمَلَتْ أَنْ يَجْعَلَ لَهَا السُّكْنَى؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْمُعْتَدَّاتِ‏.‏

فَإِنْ كَانَ هَذَا هَكَذَا فَالسُّكْنَى لَهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَنْصُوصٌ، أَوْ فِي مَعْنَى مَنْ نَصَّ لَهَا السُّكْنَى فِي فَرْضِ الْكِتَابِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَكَذَا فَالْفَرْضُ فِي السُّكْنَى لَهَا فِي السُّنَّةِ ثَمَّ فَمَا أَحْفَظُ عَمَّنْ حَفِظْت عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا السُّكْنَى، وَلاَ نَفَقَةَ، فَإِنْ قَالَ‏:‏ قَائِلٌ فَأَيْنَ السُّنَّةُ فِي سُكْنَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا‏؟‏ قِيلَ‏:‏ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَمَا وَصَفْت فِي مَتَاعِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا هُوَ الْأَمْرُ الَّذِي تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَقَدْ قَالَ‏:‏ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْقُرْآنِ إنَّ آيَةَ الْمَوَارِيثِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ، وَهَذَا ثَابِتٌ لِلْمَرْأَةِ، وَإِنَّمَا نَزَلَ فَرْضُ مِيرَاثِ الْمَرْأَةِ وَالزَّوْجِ بَعْدُ، وَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ فَقَدْ أَثْبَتَ لَهَا الْمِيرَاثَ كَمَا أَثْبَتَهُ لِأَهْلِ الْفَرَائِضِ وَلَيْسَ فِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِآخِرِ مَا أَبْطَلَ حَقَّهَا‏.‏

وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ‏:‏ إنَّ عِدَّتَهَا فِي الْوَفَاةِ كَانَتْ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ كَعِدَّةِ الطَّلاَقِ ثُمَّ نُسِخَتْ بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ‏:‏ ‏{‏وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا‏}‏ فَإِنْ كَانَ هَذَا هَكَذَا، فَقَدْ بَطُلَتْ عَنْهَا الْأَقْرَاءُ وَثَبَتَتْ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرَ مَنْصُوصَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ‏:‏ فَأَيْنَ هِيَ فِي السُّنَّةِ‏؟‏ قِيلَ‏:‏ أَخْبَرَنَا حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي عِدَّةِ الطَّلاَقِ‏:‏ ‏{‏وَاَللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ‏}‏ فَاحْتَمَلَتْ الْآيَةُ أَنْ تَكُونَ فِي الْمُطَلَّقَةِ لاَ تَحِيضُ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهَا سِيَاقُهَا وَاحْتَمَلَتْ أَنْ تَكُونَ فِي الْمُطَلَّقَةِ كُلُّ مُعْتَدَّةٍ مُطَلَّقَةٍ تَحِيضُ وَمُتَوَفًّى عَنْهَا؛ لِأَنَّهَا جَامِعَةٌ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اسْتِئْنَافُ كَلاَمٍ عَلَى الْمُعْتَدَّاتِ‏.‏

فَإِنْ قَالَ‏:‏ قَائِلٌ فَأَيُّ مَعَانِيهَا أَوْلَى بِهَا‏؟‏ قِيلَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ‏.‏ فَأَنَا الَّذِي يُشَبِّهُ فَإِنَّهَا تَكُونُ فِي كُلِّ مُعْتَدَّةٍ وَمُسْتَبْرَأَةٍ‏.‏

فَإِنْ قَالَ‏:‏ مَا دَلَّ عَلَى مَا وَصَفْت‏؟‏ قِيلَ‏:‏ قَالَ الشَّافِعِيُّ لَمَّا كَانَتْ الْعِدَّةُ اسْتِبْرَاءً وَتَعَبُّدًا وَكَانَ وَضْعُ الْحَمْلِ بَرَاءَةً مِنْ عِدَّةِ الْوَفَاةِ هَادِمًا لِلْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ وَالْعَشْرِ كَانَ هَكَذَا فِي جَمِيعِ الْعَدَدِ وَالِاسْتِبْرَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، مَعَ أَنَّ الْمَعْقُولَ أَنَّ وَضْعَ الْحَمْلِ غَايَةُ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ حَتَّى لاَ يَكُونَ فِي النَّفْسِ مِنْهُ شَيْءٌ، فَقَدْ يَكُونُ فِي النَّفْسِ شَيْءٌ فِي جَمِيعِ الْعَدَدِ وَالِاسْتِبْرَاءِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَرَاءَةً فِي الظَّاهِرِ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْمُوَفِّقُ‏.‏

باب اسْتِحْدَاثِ الْوَصَايَا

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي غَيْرِ آيَةٍ فِي قِسْمِ الْمِيرَاثِ «مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ» وَ«مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ»‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ فَنَقَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِلْكَ مَنْ مَاتَ مِنْ الْأَحْيَاءِ إلَى مَنْ بَقِيَ مِنْ وَرَثَةِ الْمَيِّتِ فَجَعَلَهُمْ يَقُومُونَ مَقَامَهُ فِيمَا مَلَّكَهُمْ مِنْ مِلْكِهِ وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ‏:‏ ‏{‏مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا، أَوْ دَيْنٍ‏}‏ قَالَ‏:‏ فَكَانَ ظَاهِرُ الآيَةِ الْمَعْقُولُ فِيهَا ‏{‏مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ‏}‏ إنْ كَانَ عَلَيْهِمْ دَيْنٌ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَبِهَذَا نَقُولُ، وَلاَ أَعْلَمُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ مُخَالِفًا، وَقَدْ تَحْتَمِلُ الْآيَةُ مَعْنًى غَيْرَ هَذَا أَظْهَرَ مِنْهُ وَأَوْلَى بِأَنَّ الْعَامَّةَ لاَ تَخْتَلِفُ فِيهِ فِيمَا عَلِمْت وَإِجْمَاعُهُمْ لاَ يَكُونُ عَنْ جَهَالَةٍ بِحُكْمِ اللَّهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَفِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ‏:‏ ‏{‏مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ‏}‏ مَعَانٍ سَأَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلاَفٍ عَلِمْته فِي أَنَّ ذَا الدَّيْنِ أَحَقُّ بِمَالِ الرَّجُلِ فِي حَيَاتِهِ مِنْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ دَيْنَهُ وَكَانَ أَهْلُ الْمِيرَاثِ إنَّمَا يَمْلِكُونَ عَنْ الْمَيِّتِ مَا كَانَ الْمَيِّتُ أَمْلَكُ بِهِ كَانَ بَيِّنًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فِي حُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ مَا لَمْ أَعْلَمْ أَهْلُ الْعِلْمِ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ أَنَّ الدَّيْنَ مَبْدَأٌ عَلَى الْوَصَايَا وَالْمِيرَاثِ فَكَانَ حُكْمُ الدَّيْنَ كَمَا وَصَفْت مُنْفَرِدًا مُقَدَّمًا، وَفِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَوْ دَيْنٍ ثُمَّ إجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ لاَ وَصِيَّةَ وَلاَ مِيرَاثَ إلَّا بَعْدَ الدَّيْنِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ دَيْنٍ فِي صِحَّةٍ كَانَ أَوْ فِي مَرَضٍ بِإِقْرَارٍ، أَوْ بَيِّنَةٍ، أَوْ أَيَّ وَجْهٍ مَا كَانَ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَخُصَّ دَيْنًا دُونَ دَيْنٍ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَقَدْ رُوِيَ فِي تَبْدِئَةِ الدَّيْنِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ حَدِيثٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يُثْبِتُ أَهْلُ الْحَدِيثِ مِثْلَهُ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالدَّيْنِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ» وَأَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامِ بْنِ حُجَيْرٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قِيلَ‏:‏ لَهُ كَيْفَ تَأْمُرُنَا بِالْعُمْرَةِ قَبْلَ الْحَجِّ وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ‏:‏ ‏{‏وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ‏}‏‏؟‏ فَقَالَ‏:‏ كَيْفَ تَقْرَءُونَ الدَّيْنَ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ، أَوْ الْوَصِيَّةَ قَبْلَ الدَّيْنِ‏؟‏ فَقَالُوا الْوَصِيَّةُ قَبْلَ الدَّيْنِ قَالَ‏:‏ فَبِأَيِّهِمَا تَبْدَءُونَ‏؟‏ قَالُوا بِالدَّيْنِ قَالَ‏:‏ فَهُوَ ذَاكَ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ يَعْنِي أَنَّ التَّقْدِيمَ جَائِزٌ، وَإِذَا قُضِيَ الدَّيْنُ كَانَ لِلْمَيِّتِ أَنْ يُوصِيَ بِثُلُثِ مَالِهِ فَإِنْ فَعَلَ كَانَ لِلْوَرَثَةِ الثُّلُثَانِ، وَإِنْ لَمْ يُوصِ، أَوْ أَوْصَى بِأَقَلِّ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ كَانَ ذَلِكَ مَالاً مِنْ مَالٍ تَرَكَهُ قَالَ‏:‏ فَكَانَ لِلْوَرَثَةِ مَا فَضَلَ عَنْ الْوَصِيَّةِ مِنْ الْمَالِ إنْ أَوْصَى‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَلَمَّا جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ لِلْوَرَثَةِ الْفَضْلَ عَنْ الْوَصَايَا وَالدَّيْنِ فَكَانَ الدَّيْنُ كَمَا وَصَفْت وَكَانَتْ الْوَصَايَا مُحْتَمَلَةً أَنْ تَكُونَ مُبْدَأَةً عَلَى الْوَرَثَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ كَمَا وَصَفْت لَك مِنْ الْفَضْلِ عَنْ الْوَصِيَّةِ وَأَنْ يَكُونَ لِلْوَصِيَّةِ غَايَةٌ يَنْتَهِي بِهَا إلَيْهَا كَالْمِيرَاثِ بِكُلِّ وَارِثٍ غَايَةٌ كَانَتْ الْوَصَايَا مِمَّا أَحْكَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَرْضَهُ بِكِتَابِهِ وَبَيَّنَ كَيْفَ فَرَضَهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ فَكَانَ غَايَةُ مُنْتَهَى الْوَصَايَا الَّتِي لَوْ جَاوَزَهَا الْمُوصِي كَانَ لِلْوَرَثَةِ رَدُّ مَا جَاوَزَ ثُلُثِ مَالِ الْمُوصِي قَالَ‏:‏ وَحَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ جَاوَزَ الثُّلُثَ مِنْ الْمُوصِينَ رُدَّتْ وَصِيَّتُهُ إلَى الثُّلُثِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَصَايَا تَجُوزُ لِغَيْرِ قَرَابَةٍ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَدَّ عِتْقَ الْمَمْلُوكِينَ إلَى الثُّلُثِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ حَكَمَ بِهِ حُكْمَ الْوَصَايَا وَالْمُعْتَقِ عَرَبِيٌّ، وَإِنَّمَا كَانَتْ الْعَرَبُ تَمْلِكُ مَنْ لاَ قَرَابَةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ‏.‏

باب الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ وَأَقَلِّ مِنْ الثُّلُثِ وَتَرْكِ الْوَصِيَّةِ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ وَإِذَا أَوْصَى الرَّجُلُ فَوَاسِعٌ لَهُ أَنْ يَبْلُغَ الثُّلُثَ وَقَالَ‏:‏ فِي «قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسَعْدٍ الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، أَوْ كَبِيرٌ، إنَّك إنْ تَدَعْ وَرَثَتَك أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرْهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ»‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ غَيًّا كَمَا قَالَ‏:‏ مَنْ بَعْدَهُ فِي الْوَصَايَا وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي كَلاَمِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا قَصَدَ قَصْدَ اخْتِيَارِ أَنْ يَتْرُكَ الْمُوصِي وَرَثَتَهُ أَغْنِيَاءَ، فَإِذَا تَرَكَهُمْ أَغْنِيَاءَ اخْتَرْت لَهُ أَنْ يَسْتَوْعِبَ الثُّلُثَ، وَإِذَا لَمْ يَدَعْهُمْ أَغْنِيَاءَ كَرِهْت لَهُ أَنْ يَسْتَوْعِبَ الثُّلُثَ وَأَنْ يُوصِيَ بِالشَّيْءِ حَتَّى يَكُونَ يَأْخُذُ بِالْحَظِّ مِنْ الْوَصِيَّةِ، وَلاَ وَقْتَ فِي ذَلِكَ إلَّا مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ الْوَصِيَّةِ لِمَنْ لَمْ يَدَعْ كَثِيرَ مَالٍ وَمَنْ تَرَكَ أَقَلَّ مِمَّا يُغْنِي وَرَثَتَهُ وَأَكْثَرَ مِنْ التَّافِهِ زَادَ شَيْئًا فِي وَصِيَّتِهِ، وَلاَ أُحِبُّ بُلُوغَ الثُّلُثِ إلَّا لِمَنْ تَرَكَ وَرَثَتَهُ أَغْنِيَاءَ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، أَوْ كَبِيرٌ» يَحْتَمِلُ الثُّلُثَ غَيْرَ قَلِيلٍ، وَهُوَ أَوْلَى مَعَانِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَرِهَهُ لِسَعْدٍ لَقَالَ لَهُ‏:‏ غُضَّ مِنْهُ، وَقَدْ كَانَ يَحْتَمِلُ أَنَّ لَهُ بُلُوغَهُ وَيَجِبُ لَهُ الْغَضُّ مِنْهُ وَقَلَّ كَلاَمٌ إلَّا، وَهُوَ مُحْتَمِلٌ وَأَوْلَى مَعَانِي الْكَلاَمِ بِهِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْخَبَرُ وَالدَّلاَلَةُ مَا وَصَفْت مِنْ أَنَّهُ لَوْ كَرِهَهُ لِسَعْدٍ أَمَرَهُ أَنْ يَغُضَّ مِنْهُ قِيلَ‏:‏ لِلشَّافِعِيِّ فَهَلْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا‏؟‏ قَالَ‏:‏ لَمْ أَعْلَمْهُمْ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ جَائِزًا لِكُلِّ مُوصٍ أَنْ يَسْتَكْمِلَ الثُّلُثَ قَلَّ مَا تَرَكَ، أَوْ كَثُرَ وَلَيْسَ بِجَائِزٍ لَهُ أَنْ يُجَاوِزَهُ فَقِيلَ لِلشَّافِعِيِّ وَهَلْ اخْتَلَفُوا فِي اخْتِيَارِ النَّقْصِ عَنْ الثُّلُثِ أَوْ بُلُوغِهِ‏؟‏ قَالَ‏:‏ نَعَمْ، وَفِيمَا وَصَفْت لَك مِنْ الدَّلاَلَةِ عَنْ رَسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَغْنَى عَمَّا سِوَاهُ‏.‏ فَقُلْت‏:‏ فَاذْكُرْ اخْتِلاَفَهُمْ‏.‏ فَقَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ

باب عَطَايَا الْمَرِيضِ

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ‏:‏ قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ لَمَّا أَعْتَقَ الرَّجُلُ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ لَهُ لاَ مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ فِي مَرَضِهِ، ثُمَّ مَاتَ فَأَعْتَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا أَتْلَفَ الْمَرْءُ مِنْ مَالِهِ فِي مَرَضِهِ بِلاَ عِوَضٍ يَأْخُذُهُ مِمَّا يَتَعَوَّضُ النَّاسُ مِلْكًا فِي الدُّنْيَا فَمَاتَ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْوَصِيَّةِ، وَلَمَّا كَانَ إنَّمَا يُحْكَمُ بِأَنَّهُ كَالْوَصِيَّةِ بَعْدَ الْمَوْتِ فَمَا أَتْلَفَ الْمَرْءُ مِنْ مَالِهِ فِي مَرَضِهِ ذَلِكَ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْوَصَايَا فَإِنْ صَحَّ تَمَّ عَلَيْهِ مَا يَتِمُّ بِهِ عَطِيَّةُ الصَّحِيحِ، وَإِنْ مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ وَصِيَّتِهِ وَمَتَى حَدَثَتْ لَهُ صِحَّةٌ بَعْدَ مَا أَتْلَفَ مِنْهُ، ثُمَّ عَاوَدَهُ مَرَضٌ فَمَاتَ تَمَّتْ عَطِيَّتُهُ إذَا كَانَتْ الصِّحَّةُ بَعْدَ الْعَطِيَّةِ فَحُكْمُ الْعَطِيَّةِ حُكْمُ عَطِيَّةِ الصَّحِيحِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَجِمَاعُ ذَلِكَ مَا وَصَفْت مِنْ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ مِلْكِهِ شَيْئًا بِلاَ عِوَضٍ يَأْخُذُهُ النَّاسُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فِي الدُّنْيَا فَالْهِبَاتُ كُلُّهَا وَالصَّدَقَاتُ وَالْعَتَاقُ وَمَعَانِي هَذِهِ كُلُّهَا هَكَذَا فَمَا كَانَ مِنْ هِبَةٍ، أَوْ صَدَقَةٍ، أَوْ مَا فِي مَعْنَاهَا لِغَيْرِ وَارِثٍ، ثُمَّ مَاتَ فَهِيَ مِنْ الثُّلُثِ فَإِنْ كَانَ مَعَهَا وَصَايَا فَهِيَ مَبْدَأَةٌ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا عَطِيَّةُ بَتَاتٍ قَدْ مُلِّكَتْ عَلَيْهِ مِلْكًا يَتِمُّ بِصِحَّتِهِ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ وَيَتِمُّ بِمَوْتِهِ مِنْ ثُلُثِهِ إنْ حَمَلَهُ وَالْوَصَايَا مُخَالِفَةٌ لِهَذَا‏.‏ الْوَصَايَا لَمْ تُمَلَّكْ عَلَيْهِ وَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا، وَلاَ تُمَلَّكُ إلَّا بِمَوْتِهِ وَبَعْدَ انْتِقَالِ الْمِلْكِ إلَى غَيْرِهِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَمَا كَانَ مِنْ عَطِيَّةِ بَتَاتٍ فِي مَرَضِهِ لَمْ يَأْخُذْ بِهَا عِوَضًا أَعْطَاهُ إيَّاهَا، وَهُوَ يَوْمَ أَعْطَاهُ مِمَّنْ يَرِثُهُ لَوْ مَاتَ أَوَّلاً يَرِثُهُ فَهِيَ مَوْقُوفَةٌ، فَإِذَا مَاتَ فَإِنْ كَانَ الْمُعْطَى وَارِثًا لَهُ حِينَ مَاتَ أُبْطِلَتْ الْعَطِيَّةُ؛ لِأَنِّي إذَا جَعَلْتُهَا مِنْ الثُّلُثِ لَمْ أَجْعَلْ لِوَارِثٍ فِي الثُّلُثِ شَيْئًا مِنْ جِهَةِ الْوَصِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ الْمُعْطَى حِينَ مَاتَ الْمُعْطِي غَيْرَ وَارِثٍ أَجَزْتهَا لَهُ؛ لِأَنَّهَا وَصِيَّةٌ لِغَيْرِ وَارِثٍ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَمَا كَانَ مِنْ عَطَايَا الْمَرِيضِ عَلَى عِوَضٍ أَخَذَهُ مِمَّا يَأْخُذُ النَّاسُ مِنْ الْأَمْوَالِ فِي الدُّنْيَا فَأَخَذَ بِهِ عِوَضًا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ، ثُمَّ مَاتَ فَهُوَ جَائِزٌ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَإِنْ أَخَذَ بِهِ عِوَضًا لاَ يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ فَالزِّيَادَةُ عَطِيَّةٌ بِلاَ عِوَضٍ فَهِيَ مِنْ الثُّلُثِ فَمَنْ جَازَتْ لَهُ وَصِيَّةٌ جَازَتْ لَهُ وَمَنْ لَمْ تَجُزْ لَهُ وَصِيَّةٌ لَمْ تَجُزْ لَهُ الزِّيَادَةُ وَذَلِكَ، الرَّجُلُ يَشْتَرِي الْعَبْدَ، أَوْ يَبِيعُهُ، أَوْ الْأَمَةَ، أَوْ الدَّارَ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَمْلِكُ الْآدَمِيُّونَ، فَإِذَا بَاعَ الْمَرِيضُ وَدَفَعَ إلَيْهِ ثَمَنَهُ، أَوْ لَمْ يَدْفَعْ حَتَّى مَاتَ فَقَالَ وَرَثَتُهُ حَابَاك فِيهِ، أَوْ غَبَنْته فِيهِ نُظِرَ إلَى قِيمَةِ الْمُشْتَرَى يَوْمَ وَقَعَ الْبَيْعُ وَالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ فَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهُ بِمَا يَتَغَابَنُ أَهْلُ الْمِصْرِ بِمِثْلِهِ كَانَ الشِّرَاءُ جَائِزًا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهُ بِمَا لاَ يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ كَانَ مَا يَتَغَابَنُ أَهْلُ الْمِصْرِ بِمِثْلِهِ جَائِزًا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَمَا جَاوَزَهُ جَائِزًا مِنْ الثُّلُثِ فَإِنْ حَمَلَهُ الثُّلُثَ جَازَ لَهُ الْبَيْعُ، وَإِنْ لَمْ يَحْمِلْهُ الثُّلُثَ قِيلَ لِلْمُشْتَرِي لَك الْخِيَارُ فِي رَدِّ الْبَيْعِ إنْ كَانَ قَائِمًا وَتَأْخُذُ ثَمَنَهُ الَّذِي أُخِذَ مِنْك، أَوْ تُعْطِي الْوَرَثَةَ الْفَضْلَ عَمَّا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ مِمَّا لَمْ يَحْمِلْهُ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ الْبَيْعُ فَائِتًا رَدَّ مَا بَيْنَ قِيمَةِ مَا لاَ يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ مِمَّا لَمْ يَحْمِلْهُ الثُّلُثُ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْبَيْعُ قَائِمًا قَدْ دَخَلَهُ عَيْبٌ رَدَّ قِيمَتَهُ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ فَإِنْ كَانَ الْمَرِيضُ الْمُشْتَرِيَ فَهُوَ فِي هَذَا الْمَعْنَى وَيُقَالُ لِلْبَائِعِ الْبَيْعُ جَائِزٌ فِيمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَبِمَا جَاوَزَ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ مِنْ الثُّلُثِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ثُلُثٌ، أَوْ كَانَ فَلَمْ يَحْمِلْهُ الثُّلُثُ قِيلَ لَهُ إنْ شِئْت سَلَّمْته بِمَا سُلِّمَ لَك مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَالثُّلُثِ وَتَرَكْت الْفَضْلَ وَالْبَيْعُ جَائِزٌ، وَإِنْ شِئْت رَدَدْت مَا أَخَذْت وَنَقَضْت الْبَيْعَ إنْ كَانَ الْبَيْعُ قَائِمًا بِعَيْنِهِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَإِنْ كَانَ مُسْتَهْلَكًا، وَلَمْ تَطِبْ نَفْسُ الْبَائِعِ عَنْ الْفَضْلِ فَلِلْبَائِعِ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ فِي سِلْعَتِهِ وَمَا حَمَلَ الثُّلُثُ مِمَّا لاَ يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ وَيَرُدُّ الْفَضْلُ عَنْ ذَلِكَ عَلَى الْوَرَثَةِ، وَإِنْ كَانَ السِّلْعَةُ قَائِمَةً قَدْ دَخَلَهَا عَيْبٌ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ عَبْدًا، أَوْ غَيْرَهُ فَاشْتَرَاهُ الْمَرِيضُ فَظَهَرَ مِنْهُ عَلَى عَيْبٍ فَأَبْرَأَ الْبَائِعَ مِنْ الْعَيْبِ فَكَانَ فِي ذَلِكَ غَبْنٌ كَانَ الْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِيمَا انْعَقَدَ عَلَيْهِ الْبَيْعُ، وَفِيهِ غَبْنٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَاهُ صَحِيحًا، ثُمَّ ظَهَرَ مِنْهُ عَلَى عَيْبٍ، وَهُوَ مَرِيضٌ فَأَبْرَأَهُ مِنْهُ أَوْ اشْتَرَاهُ وَلَهُ فِيهِ خِيَارُ رُؤْيَةٍ أَوْ خِيَارُ شَرْطٍ، أَوْ خِيَارُ صَفْقَةٍ فَلَمْ يَسْقُطْ خِيَارُ الصَّفْقَةِ بِالتَّفَرُّقِ، وَلاَ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ بِالرُّؤْيَةِ، وَلاَ خِيَارُ الشَّرْطِ بِانْقِضَاءِ الشَّرْطِ حَتَّى مَرِضَ فَفَارَقَ الْبَائِعَ، أَوْ رَأَى السِّلْعَةَ فَلَمْ يَرُدَّهَا، أَوْ مَضَتْ أَيَّامُ الْخِيَارِ، وَهُوَ مَرِيضٌ فَلَمْ يَرُدَّهُ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ تَمَّ فِي هَذَا كُلِّهِ، وَهُوَ مَرِيضٌ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَسَوَاءٌ فِي هَذَا كُلِّهِ كَانَ الْبَائِعُ الصَّحِيحَ وَالْمُشْتَرِي الْمَرِيضَ، أَوْ الْمُشْتَرِي الصَّحِيحَ وَالْبَائِعُ الْمَرِيضَ عَلَى أَصْلِ مَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْغَبْنَ يَكُونُ فِي الثُّلُثِ وَهَكَذَا لَوْ بَاعَ مَرِيضٌ مِنْ مَرِيضٍ، أَوْ صَحِيحٌ مِنْ صَحِيحٍ، وَلَوْ اخْتَلَفَ وَرَثَةُ الْمَرِيضِ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي الصَّحِيحِ فِي قِيمَةِ مَا بَاعَ الْمَرِيضُ فَقَالَ الْمُشْتَرِي اشْتَرَيْتهَا مِنْهُ وَقِيمَتُهَا مِائَةٌ وَقَالَ الْوَرَثَةُ بَلْ بَاعَكَهَا وَقِيمَتُهَا مِائَتَانِ، وَلَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي فِي هَذَا كُلِّهِ وَارِثًا، أَوْ غَيْرَ وَارِثٍ فَلَمْ يَمُتْ الْمَيِّتُ حَتَّى صَارَ وَارِثًا كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يَزَلْ وَارِثًا لَهُ إذَا مَاتَ الْمَيِّتُ، فَإِذَا بَاعَهُ الْمَيِّتُ وَقَبَضَ الثَّمَنَ مِنْهُ، ثُمَّ مَاتَ فَهُوَ مِثْلُ الْأَجْنَبِيِّ فِي جَمِيعِ حَالِهِ إلَّا فِيمَا زَادَ عَلَى مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِهِ فَإِنْ بَاعَهُ بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ جَازَ، وَإِنْ بَاعَهُ بِمَا لاَ يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ قِيلَ‏:‏ لِلْوَارِثِ حُكْمُ الزِّيَادَةِ عَلَى مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ حُكْمُ الْوَصِيَّةِ وَأَنْتَ فَلاَ وَصِيَّةَ لَك فَإِنْ شِئْت فَارْدُدْ الْبَيْعَ إذَا لَمْ يُسَلِّمْ لَك مَا بَاعَك، وَإِنْ شِئْت فَأَعْطِ الْوَرَثَةَ مِنْ ثَمَنِ السِّلْعَةِ مَا زَادَ عَلَى مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ، ثُمَّ هُوَ فِي فَوْتِ السِّلْعَةِ وَغَبْنِهَا مِثْلُ الْأَجْنَبِيِّ، وَكَذَلِكَ إنْ بَاعَ مَرِيضٌ وَارِثٌ مِنْ مَرِيضٍ وَارِثٍ‏.‏

باب نِكَاحِ الْمَرِيضِ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ وَيَجُوزُ لِلْمَرِيضِ أَنْ يَنْكِحَ جَمِيعَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ تَعَالَى أَرْبَعًا وَمَا دُونَهُنَّ كَمَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ، فَإِذَا أَصْدَقَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ صَدَاقَ مِثْلِهَا جَازَ لَهَا مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ وَأَيَّتُهُنَّ زَادَ عَلَى صَدَاقِ مِثْلِهَا فَالزِّيَادَةُ مُحَابَاةٌ فَإِنْ صَحَّ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ جَازَ لَهَا مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَصِحَّ بَطَلَتْ عَنْهَا الزِّيَادَةُ عَلَى صَدَاقِ مِثْلِهَا وَثَبَتَ النِّكَاحُ وَكَانَ لَهَا الْمِيرَاثُ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ‏:‏ كَانَتْ ابْنَةُ حَفْصِ بْنِ الْمُغِيرَةِ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ فَطَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً، ثُمَّ إنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ تَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ فَحُدِّثَ أَنَّهَا عَاقِرٌ لاَ تَلِدُ فَطَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يُجَامِعَهَا فَمَكَثَتْ حَيَاةَ عُمَرَ وَبَعْضَ خِلاَفَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، وَهُوَ مَرِيضٌ لِتُشْرِكَ نِسَاءَهُ فِي الْمِيرَاثِ وَكَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ قَرَابَةٌ‏.‏

أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ عِكْرِمَةَ بْنَ خَالِدٍ يَقُولُ أَرَادَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أُمِّ الْحَكَمِ فِي شَكَوَاهُ أَنْ يُخْرِجَ امْرَأَتَهُ مِنْ مِيرَاثِهَا مِنْهُ فَأَبَتْ فَنَكَحَ عَلَيْهَا ثَلاَثَ نِسْوَةٍ وَأَصْدَقَهُنَّ أَلْفَ دِينَارٍ كُلَّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ فَأَجَازَ ذَلِكَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ وَشَرَكَ بَيْنَهُنَّ فِي الثُّمُنِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ أَرَى ذَلِكَ صَدَاقَ مِثْلِهِنَّ، وَلَوْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ صَدَاقِ مِثْلِهِنَّ لَجَازَ النِّكَاحُ وَبَطَلَ مَا زَادَهُنَّ عَلَى صَدَاقِ مِثْلِهِنَّ إذَا مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْوَصِيَّةِ وَالْوَصِيَّةُ لاَ تَجُوزُ لِوَارِثٍ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَبَلَغَنَا أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ زَوِّجُونِي لاَ أَلْقَى اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَأَنَا عَزَبٌ‏.‏ قَالَ وَأَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ سَالِمٍ أَنَّ شُرَيْحًا قَضَى فِي نِكَاحِ رَجُلٍ نَكَحَ عِنْدَ مَوْتِهِ فَجَعَلَ الْوَارِثَ وَالصَّدَاقَ فِي مَالِهِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَلَوْ نَكَحَ الْمَرِيضُ فَزَادَ الْمَنْكُوحَةَ عَلَى صَدَاقِ مِثْلِهَا، ثُمَّ صَحَّ، ثُمَّ مَاتَ جَازَتْ لَهَا الزِّيَادَةُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ، فَكَانَ كَمَنْ ابْتَدَأَ نِكَاحًا، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، ثُمَّ لَمْ يَصِحَّ حَتَّى مَاتَتْ الْمَنْكُوحَةُ فَصَارَتْ غَيْرَ وَارِثٍ كَانَ لَهَا جَمِيعُ مَا أَصْدَقَهَا صَدَاقُ مِثْلِهَا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَالزِّيَادُ مِنْ الثُّلُثِ كَمَا يَكُونُ مَا وَهَبَ لِأَجْنَبِيَّةِ فَقَبَضَتْهُ مِنْ الثُّلُثِ فَمَا زَادَ مِنْ صَدَاقِ الْمَرْأَةِ عَلَى الثُّلُثِ إذَا مَاتَتْ مِثْلُ الْمَوْهُوبِ الْمَقْبُوضِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَلَوْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا وَالْمُتَزَوِّجَةُ مِمَّنْ لاَ تَرِثُ بِأَنْ تَكُونَ ذِمِّيَّةً، ثُمَّ مَاتَ وَهِيَ عِنْدَهُ جَازَ لَهَا جَمِيعُ الصَّدَاقِ صَدَاقُ مِثْلِهَا مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ وَالزِّيَادَةُ عَلَى صَدَاقِ مِثْلِهَا مِنْ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ وَارِثٍ، وَلَوْ أَسْلَمَتْ فَصَارَتْ وَارِثًا بَطَلَ عَنْهَا مَا زَادَ عَلَى صَدَاقِ مِثْلِهَا‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَلَوْ نَكَحَ الْمَرِيضُ امْرَأَةً نِكَاحًا فَاسِدًا ثُمَّ مَاتَ لَمْ تَرِثْهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا مَهْرٌ إنْ لَمْ يَكُنْ أَصَابَهَا فَإِنْ كَانَ أَصَابَهَا فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا كَانَ أَقَلَّ مِمَّا سُمِّيَ لَهَا، أَوْ أَكْثَرَ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَلَوْ كَانَتْ لِرَجُلٍ أَمَةٌ فَأَعْتَقَهَا فِي مَرَضِهِ، ثُمَّ نَكَحَهَا وَأَصْدَقَهَا صَدَاقًا وَأَصَابَهَا بَقِيَ الْجَوَابُ قَالَ الرَّبِيعُ أَنَا أُجِيبُ فِيهَا وَأَقُولُ يُنْظَرُ فَإِنْ خَرَجَتْ مِنْ الثُّلُثِ كَانَ الْعِتْقُ جَائِزًا وَكَانَ النِّكَاحُ جَائِزًا بِصَدَاقِ مِثْلِهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِي سُمِّيَ لَهَا مِنْ الصَّدَاقِ أَقَلَّ مِنْ صَدَاقِ مِثْلِهَا فَلَيْسَ لَهَا إلَّا مَا سَمَّاهُ لَهَا فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ صَدَاقِ مِثْلِهَا رُدَّتْ إلَى صَدَاقِ مِثْلِهَا وَكَانَتْ وَارِثَةً، وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ عَتَقَ مِنْهَا مَا احْتَمَلَ الثُّلُثُ وَكَانَ لَهَا صَدَاقُ مِثْلِهَا بِحِسَابِ مَا عَتَقَ مِنْهَا، وَلَمْ تَكُنْ وَارِثَةً؛ لِأَنَّ بَعْضَهَا رَقِيقٌ‏.‏

هِبَاتُ الْمَرِيضِ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ وَمَا ابْتَدَأَ الْمَرِيضُ هِبَةً فِي مَرَضِهِ لِوَارِثٍ، أَوْ غَيْرِ وَارِثٍ فَدَفَعَ إلَيْهِ مَا وَهَبَ لَهُ فَإِنْ كَانَ وَارِثًا، وَلَمْ يَصِحَّ الْمَرِيضُ حَتَّى مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ الَّذِي وَهَبَ فِيهِ فَالْهِبَةُ مَرْدُودَةٌ كُلُّهَا، وَكَذَلِكَ إنْ وَهَبَهُ لَهُ، وَهُوَ غَيْرُ وَارِثٍ، ثُمَّ صَارَ وَارِثًا فَإِنْ اسْتَغَلَّ مَا وُهِبَ لَهُ، ثُمَّ مَاتَ الْوَاهِبُ قَبْلَ أَنْ يَصِحَّ رَدَّ الْغَلَّةَ؛ لِأَنَّهُ إذَا مَاتَ اسْتَدْلَلْنَا عَلَى أَنَّ مِلْكَ مَا وُهِبَ لَهُ كَانَ فِي مِلْكِ الْوَاهِبِ، وَلَوْ وَهَبَ لِوَارِثٍ، وَهُوَ مَرِيضٌ، ثُمَّ صَحَّ، ثُمَّ مَرِضَ فَدَفَعَ إلَيْهِ الْهِبَةَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ كَانَتْ الْهِبَةُ مَرْدُودَةً؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ إنَّمَا تَتِمُّ بِالْقَبْضِ وَقَبْضُهُ إيَّاهَا كَانَ، وَهُوَ مَرِيضٌ، وَلَوْ كَانَتْ الْهِبَةُ، وَهُوَ مَرِيضٌ، ثُمَّ كَانَ الدَّفْعُ، وَهُوَ صَحِيحٌ، ثُمَّ مَرِضَ فَمَاتَ كَانَتْ الْهِبَةُ تَامَّةً مِنْ قِبَلِ أَنَّهَا تَمَّتْ بِالْقَبْضِ، وَقَدْ كَانَ لِلْوَاهِبِ حَبْسُهَا وَكَانَ دَفْعُهُ إيَّاهَا كَهِبَتِهِ إيَّاهَا وَدَفْعِهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَلَوْ كَانَتْ الْهِبَةُ لِمَنْ يَرَاهُ يَرِثُهُ فَحَدَثَ دُونَهُ وَارِثٌ فَحَجَبَهُ فَمَاتَ، وَهُوَ غَيْرُ وَارِثٍ أَوْ لِأَجْنَبِيٍّ كَانَتْ سَوَاءً؛ لِأَنَّ كِلَيْهِمَا غَيْرُ وَارِثٍ، فَإِذَا كَانَتْ هِبَتُهُ لَهُمَا صَحِيحًا، أَوْ مَرِيضًا وَقَبَّضَهُمَا الْهِبَةَ، وَهُوَ صَحِيحٌ فَالْهِبَةُ لَهُمَا جَائِزَةٌ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ خَارِجَةٌ مِنْ مِلْكِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ هِبَتُهُ، وَهُوَ مَرِيضٌ، ثُمَّ صَحَّ، ثُمَّ مَاتَ كَانَ ذَلِكَ كَقَبْضِهِمَا، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَلَوْ كَانَ قَبَّضَهُمَا الْهِبَةَ، وَهُوَ مَرِيضٌ فَلَمْ يَصِحَّ كَانَتْ الْهِبَةُ وَهُوَ صَحِيحٌ، أَوْ مَرِيضٌ فَذَلِكَ سَوَاءٌ وَالْهِبَةُ مِنْ الثُّلُثِ مُبْدَأَةٌ عَلَى الْوَصَايَا؛ لِأَنَّهَا عَطِيَّةُ بَتَاتٍ وَمَا حَمَلَ الثُّلُثُ مِنْهَا جَازَ وَمَا لَمْ يَحْمِلْ رُدَّ وَكَانَ الْمَوْهُوبُ لَهُ شَرِيكًا لِلْوَرَثَةِ بِمَا حَمَلَ الثُّلُثُ مِمَّا وُهِبَ لَهُ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَمَا نَحَلَ، أَوْ مَا تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ فَهُوَ مِثْلُ الْهِبَاتِ لاَ يَخْتَلِفُ؛ لِأَنَّهُ لاَ يُمَلَّكُ مِنْ هَذَا شَيْءٌ إلَّا بِالْقَبْضِ وَكُلُّ مَا لاَ يُمَلَّكُ إلَّا بِالْقَبْضِ فَحُكْمُهُ حُكْمٌ وَاحِدٌ لاَ يَخْتَلِفُ، أَلاَ تَرَى أَنَّ الْوَاهِبَ وَالنَّاحِلَ وَالْمُتَصَدِّقَ لَوْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الْمَوْهُوبُ لَهُ وَالْمَنْحُولُ وَالْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ مَا صُيِّرَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَطَلَ مَا صَنَعَ وَكَانَ مَالاً مِنْ مَالِ الْوَاهِبِ النَّاحِلِ الْمُتَصَدِّقِ لِوَرَثَتِهِ‏؟‏ أَوَلاَ تَرَى أَنَّ جَائِزًا لِمَنْ أَعْطَى هَذَا أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى مُعْطِيهِ فَيَحِلَّ لِمُعْطِيهِ مِلْكُهُ وَيَحِلَّ لِمُعْطِيهِ شِرَاؤُهُ مِنْهُ وَارْتِهَانُهُ مِنْهُ وَيَرِثُهُ إيَّاهُ فَيَمْلِكُهُ كَمَا كَانَ يَمْلِكُهُ قَبْلَ خُرُوجِهِ مِنْ يَدِهِ‏؟‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَلَوْ كَانَتْ دَارُ رَجُلٍ أَوْ عَبْدُهُ فِي يَدَيْ رَجُلٍ بِسُكْنَى أَوْ إجَارَةٍ، أَوْ عَارِيَّةٍ فَقَالَ‏:‏ قَدْ وَهَبْت لَك الدَّارَ الَّتِي فِي يَدَيْك وَكُنْت قَدْ أَذِنْت لَك فِي قَبْضِهِ لِنَفْسِك كَانَتْ هَذِهِ هِبَةً مَقْبُوضَةً لِلدَّارِ وَالْعَبْدِ الَّذِي فِي يَدَيْهِ، ثُمَّ لَمْ يُحْدِثْ لَهُ مَنْعًا لِمَا وَهَبَ لَهُ حَتَّى مَاتَ عُلِمَ أَنَّهُ لَهَا قَابِضٌ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَمَا كَانَ يَجُوزُ بِالْكَلاَمِ دُونَ الْقَبْضِ مُخَالِفٌ لِهَذَا وَذَلِكَ الصَّدَقَاتُ الْمُحَرَّمَاتُ، فَإِذَا تَكَلَّمَ بِهَا الْمُتَصَدِّقُ وَشُهِدَ بِهَا عَلَيْهِ فَهِيَ خَارِجَةٌ مِنْ مِلْكِهِ تَامَّةٌ لِمَنْ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْهِ لاَ يَزِيدُهَا الْقَبْضُ تَمَامًا، وَلاَ يَنْقُصُ مِنْهَا تَرْكُ ذَلِكَ وَذَلِكَ أَنَّ الْمُخْرِجَ لَهَا مِنْ مِلْكِهِ أَخْرَجَهَا بِأَمْرٍ مَنَعَهَا بِهِ أَنْ يَكُونَ مِلْكُهُ مِنْهَا مُتَصَرِّفًا فِيمَا يُصْرَفُ فِيهِ الْمَالُ مِنْ بَيْعٍ وَمِيرَاثٍ وَهِبَةٍ وَرَهْنٍ وَأَخْرَجَهَا مِنْ مِلْكِهِ خُرُوجًا لاَ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَعُودَ إلَيْهِ بِحَالٍ فَأَشْبَهَتْ الْعِتْقَ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَحْكَامِهَا، وَلَمْ تُخَالِفْهُ إلَّا فِي الْمُعْتَقِ يَمْلِكُ مَنْفَعَةَ نَفْسِهِ وَكَسْبَهَا وَأَنَّ مَنْفَعَةَ هَذِهِ مَمْلُوكَةٌ لِمَنْ جُعِلَتْ لَهُ وَذَلِكَ أَنَّهَا لاَ تَكُونُ مَالِكَةً، وَإِنَّمَا مَنَعْنَا مِنْ كِتَابِ الْآثَارِ فِي هَذَا أَنَّهُ مَوْضُوعٌ فِي غَيْرِهِ، فَإِذَا تَكَلَّمَ بِالصَّدَقَةِ الْمُحَرَّمَةِ صَحِيحًا، ثُمَّ مَرِضَ، أَوْ مَرِيضًا، ثُمَّ صَحَّ فَهِيَ جَائِزَةٌ خَارِجَةٌ مِنْ مَالِهِ، وَإِذَا كَانَ تَكَلَّمَ بِهَا مَرِيضًا فَلَمْ يَصِحَّ فَهِيَ مِنْ ثُلُثِهِ جَائِزَةٌ بِمَا تَصَدَّقَ بِهِ لِمَنْ جَازَتْ لَهُ الْوَصِيَّةُ بِالثُّلُثِ وَمَرْدُودَةٌ عَمَّنْ تُرَدُّ عَنْهُ الْوَصِيَّةُ بِالثُّلُثِ‏.‏

باب الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ

وَفِيهِ الْوَصِيَّةُ بِالزَّائِدِ عَلَى الثُّلُثِ وَشَيْءٌ يَتَعَلَّقُ بِالْإِجَارَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الرَّبِيعُ تَرْجَمَةً تَدُلُّ عَلَى الزَّائِدِ عَلَى الثُّلُثِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَدُلُّ عَلَى أَنْ لاَ يَجُوزَ لِأَحَدٍ وَصِيَّةٌ إذَا جَاوَزَ الثُّلُثَ مِمَّا تَرَكَ فَمَنْ أَوْصَى فَجَاوَزَ الثُّلُثَ رُدَّتْ وَصَايَاهُ كُلُّهَا إلَى الثُّلُثِ إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ الْوَرَثَةُ فَيُجِيزُونَ لَهُ ذَلِكَ فَيَجُوزُ بِإِعْطَائِهِمْ، وَإِذَا تَطَوَّعَ لَهُ الْوَرَثَةُ فَأَجَازُوا ذَلِكَ لَهُ فَإِنَّمَا أَعْطَوْهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَلاَ يَجُوزُ فِي الْقِيَاسِ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَتِمُّ لِلْمُعْطَى بِمَا يَتِمُّ بِهِ لَهُ مَا ابْتَدَءُوا بِهِ عَطِيَّتَهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مِنْ قَبْضَةِ ذَلِكَ وَيُرَدُّ بِمَا رُدَّ بِهِ مَا ابْتَدَءُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ إنْ مَاتَ الْوَرَثَةُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ الْمُوصَى لَهُ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ فَلَوْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِثُلُثِ مَالِهِ وَلِآخَرَ بِنِصْفِهِ وَلِآخَرَ بِرُبُعِهِ، وَلَمْ تُجِزْ ذَلِكَ الْوَرَثَةُ اقْتَسَمَ أَهْلُ الْوَصَايَا الثُّلُثَ عَلَى قَدْرِ مَا أُوصِيَ لَهُمْ بِهِ يُجَزَّأُ الثُّلُثُ ثَلاَثَةَ عَشْرَ جُزْءًا فَيَأْخُذُ مِنْهُ صَاحِبُ النِّصْفِ سِتَّةً وَصَاحِبُ الثُّلُثِ أَرْبَعَةً وَصَاحِبُ الرُّبُعِ ثَلاَثَةً، وَلَوْ أَجَازَ الْوَرَثَةُ اقْتَسَمُوا جَمِيعَ الْمَالِ عَلَى أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِمْ عَوْلُ نِصْفِ السُّدُسِ فَأَصَابَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ الْعَوْلِ نِصْفَ سُدُسِ وَصِيَّتِهِ وَاقْتَسَمُوا الْمَالَ كُلَّهُ كَمَا اقْتَسَمُوا الثُّلُثَ حَتَّى يَكُونُوا سَوَاءً فِي الْعَوْلِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَلَوْ قَالَ لِفُلاَنٍ غُلاَمِي فُلاَنٌ وَلِفُلاَنٍ دَارِي وَوَصَفَهَا وَلِفُلاَنٍ خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ فَلَمْ يَبْلُغْ هَذَا الثُّلُثَ، وَلَمْ تُجِزْهُ لَهُمْ الْوَرَثَةُ وَكَانَ الثُّلُثُ أَلْفًا وَالْوَصِيَّةُ أَلْفَيْنِ وَكَانَتْ قِيمَةُ الْغُلاَمِ خَمْسَمِائَةٍ وَقِيمَةُ دَارِهِ أَلْفًا وَالْوَصِيَّةُ خَمْسُمِائَةٍ دَخَلَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي وَصِيَّتِهِ عَوْلُ النِّصْفِ وَأَخَذَ نِصْفَ وَصِيَّتِهِ فَكَانَ لِلْمُوصَى لَهُ بِالْغُلاَمِ نِصْفُ الْغُلاَمِ وَلِلْمُوصَى لَهُ بِالدَّارِ نِصْفُ الدَّارِ وَلِلْمُوصَى لَهُ بِالْخَمْسِمِائَةِ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ دِينَارًا لاَ تُجْعَلُ وَصِيَّةُ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُوصِيَ لَهُ فِي شَيْءٍ بِعَيْنِهِ إلَّا فِيمَا أُوصِيَ لَهُ بِهِ، وَلاَ يَخْرُجُ إلَى غَيْرِهِ إلَّا مَا سَلَّمَهَا الْوَرَثَةُ فَإِنْ قَالَ الْوَرَثَةُ‏:‏ لاَ نُسَلِّمُ لَهُ مِنْ الدَّارِ إلَّا مَا لَزِمَنَا قِيلَ لَهُ ثُلُثُ الدَّارِ شَرِيكٌ لَكُمْ بِهَا إنْ شَاءَ وَشِئْتُمْ اقْتَسَمْتُمْ وَيُضْرَبُ بِقِيمَةِ سُدُسِ الدَّارِ الَّذِي جَازَ لَهُ مِنْ وَصِيَّتِهِ فِي مَالِ الْمَيِّتِ يَكُونُ شَرِيكًا لَكُمْ بِهِ وَهَكَذَا الْعَبْدُ وَكُلُّ مَا أُوصِيَ لَهُ بِهِ بِعَيْنِهِ فَلَمْ تُسَلِّمْهُ لَهُ الْوَرَثَةُ وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ‏.‏

بَابُ الْوَصِيَّةِ فِي الدَّارِ وَالشَّيْءِ بِعَيْنِهِ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى‏:‏ وَلَوْ أَوْصَى رَجُلٌ لِرَجُلٍ بِدَارٍ فَقَالَ دَارِي الَّتِي كَذَا- وَوَصَفَهَا وَصِيَّةٌ- لِفُلَانٍ فَالدَّارُ لَهُ بِجَمِيعِ بِنَائِهَا وَمَا ثَبَتَ فِيهَا مِنْ بَابٍ وَخَشَبٍ وَلَيْسَ لَهُ مَتَاعٌ فِيهَا، وَلَا خَشَبٌ، وَلَا أَبْوَابٌ لَيْسَتْ بِثَابِتَةٍ فِي الْبِنَاءِ، وَلَا لَبِنٌ، وَلَا حِجَارَةٌ، وَلَا آجُرٌّ لَمْ يُبْنَ بِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَكُونُ مِنْ الدَّارِ حَتَّى يُبْنَى بِهِ فَيَكُونَ عِمَارَةً لِلدَّارِ ثَابِتَةً فِيهَا، وَلَوْ أَوْصَى لَهُ بِالدَّارِ فَانْهَدَمَتْ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي لَمْ يَكُنْ لَهُ مَا انْهَدَمَ مِنْ الدَّارِ وَكَانَ لَهُ مَا بَقِيَ لَمْ يَنْهَدِمْ مِنْ الدَّارِ وَمَا ثَبَتَ فِيهَا لَمْ يَنْهَدِمْ مِنْهَا مِنْ خَشَبٍ وَأَبْوَابٍ وَغَيْرِهِ، وَلَوْ جَاءَ عَلَيْهَا سَيْلٌ فَذَهَبَ بِهَا أَوْ بِبَعْضِهَا بَطَلَتْ وَصِيَّتُهُ، أَوْ بَطَلَ مِنْهَا مَا ذَهَبَ مِنْ الدَّارِ وَهَكَذَا لَوْ أَوْصَى لَهُ بِعَبْدٍ فَمَاتَ، أَوْ اعَوَرَّ، أَوْ نَقَصَ مِنْهُ شَيْءٌ بِعَيْنِهِ فَذَهَبَ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ سِوَى مَا أَوْصَى لَهُ بِهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ مَا أَوْصَى لَهُ بِهِ قَدْ ذَهَبَ وَهَكَذَا كُلُّ مَا أَوْصَى لَهُ بِهِ بِعَيْنِهِ فَهَلَكَ، أَوْ نَقَصَ وَهَكَذَا لَوْ أَوْصَى لَهُ بِشَيْءٍ فَاسْتَحَقَّ عَلَى الْمُوصِي بِشَيْءٍ بِشِرَاءٍ، أَوْ هِبَةٍ، أَوْ غَصْبٍ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّهُ أَوْصَى لَهُ بِمَا لَا يَمْلِكُ‏.‏

باب الْوَصِيَّةِ بِشَيْءٍ بِصِفَتِهِ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ وَإِذَا أَوْصَى رَجُلٌ لِرَجُلٍ بِعَبْدٍ فَقَالَ لَهُ غُلاَمِي الْبَرْبَرِيُّ، أَوْ غُلاَمِي الْحَبَشِيُّ أَوْ نَسَبَهُ إلَى جِنْسٍ مِنْ الْأَجْنَاسِ وَسَمَّاهُ بِاسْمِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَبْدٌ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ يُسَمَّى بِذَلِكَ الِاسْمِ كَانَ غَيْرَ جَائِزٍ، وَلَوْ زَادَ فَوَصَفَهُ وَكَانَ لَهُ عَبْدٌ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ يُسَمَّى بِاسْمِهِ وَتُخَالِفُ صِفَتُهُ صِفَتَهُ كَانَ جَائِزًا لَهُ‏.‏

قَالَ الرَّبِيعُ أَخَافُ أَنْ يَكُونَ هَذَا غَلَطًا مِنْ الْكَاتِبِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقْرَأْ عَلَى الشَّافِعِيِّ، وَلَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ وَالْجَوَابُ فِيهَا عِنْدِي أَنَّهُ إنْ وَافَقَ اسْمُهُ أَنَّهُ إنْ أَوْصَى لَهُ بِغُلاَمٍ وَسَمَّاهُ بِاسْمِهِ وَجِنْسِهِ وَوَصَفَهُ فَوَجَدْنَا لَهُ غُلاَمًا بِذَلِكَ الِاسْمِ وَالْجِنْسِ غَيْرَ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِصِفَتِهِ كَأَنَّهُ قَالَ فِي صِفَتِهِ‏:‏ أَبْيَضُ طِوَالٌ حَسَنُ الْوَجْهِ فَأَصَبْنَا ذَلِكَ الِاسْمَ وَالْجِنْسَ أَسْوَدَ قَصِيرًا أَسْمَجَ الْوَجْهِ لَمْ نَجْعَلْهُ لَهُ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَلَوْ كَانَ سَمَّاهُ بِاسْمِهِ وَنَسَبَهُ إلَى جِنْسِهِ فَكَانَ لَهُ عَبْدَانِ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ فَاتَّفَقَ اسْمَاهُمَا وَأَجْنَاسُهُمَا لاَ تُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا صِفَةٌ، وَلَمْ تُثْبِتْ الشُّهُودُ أَيَّهُمَا أَرَادَ‏.‏

قَالَ الرَّبِيعُ فَفِيهَا قَوْلاَنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الشَّهَادَةَ بَاطِلَةٌ إذَا لَمْ يُثْبِتُوا الْعَبْدَ بِعَيْنِهِ كَمَا لَوْ شَهِدُوا لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ أَنَّ لَهُ هَذَا الْعَبْدَ، أَوْ هَذِهِ الْجَارِيَةَ أَنَّ الشَّهَادَةَ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُثْبِتُوا الْعَبْدَ بِعَيْنِهِ‏.‏

وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّ الْوَصِيَّةَ جَائِزَةٌ فِي أَحَدِ الْعَبْدَيْنِ وَهُمَا مَوْقُوفَانِ بَيْنَ الْوَرَثَةِ وَالْمُوصَى لَهُ حَتَّى يَصْطَلِحُوا؛ لِأَنَّا قَدْ عَرَفْنَا أَنَّ لَهُ أَحَدَهُمَا، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ عَيْنِهِ‏.‏

باب الْمَرَضِ الَّذِي تَكُونُ عَطِيَّةُ الْمَرِيضِ فِيهِ جَائِزَةً، أَوْ غَيْرَ جَائِزَةٍ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ الْمَرَضُ مَرَضَانِ فَكُلُّ مَرَضٍ كَانَ الْأَغْلَبُ مِنْهُ أَنَّ الْمَوْتَ مَخُوفٌ مِنْهُ فَعَطِيَّةُ الْمَرِيضِ فِيهِ إنْ مَاتَ فِي حُكْمِ الْوَصَايَا وَكُلُّ مَرَضٍ كَانَ الْأَغْلَبُ مِنْهُ أَنَّهُ غَيْرُ مَخُوفٍ فَعَطِيَّةُ الْمَرِيضِ فِيهِ كَعَطِيَّةِ الصَّحِيحِ، وَإِنْ مَاتَ مِنْهُ، فَأَمَّا الْمَرَضُ الَّذِي الْأَغْلَبُ مِنْهُ أَنَّ الْمَوْتَ مَخُوفٌ مِنْهُ فَكُلُّ حُمَّى بَدَأَتْ بِصَاحِبِهَا حَتَّى جَهِدَته أَيَّ حُمَّى كَانَتْ، ثُمَّ إذَا تَطَاوَلَتْ فَكُلُّهَا مَخُوفٌ إلَّا الرِّبْعَ فَإِنَّهَا إذَا اسْتَمَرَّتْ بِصَاحِبِهَا رِبْعًا كَانَ الْأَغْلَبُ فِيهَا أَنَّهَا غَيْرُ مَخُوفَةٍ فَمَا أَعْطَى الَّذِي اسْتَمَرَّتْ بِهِ حُمَّى الرِّبْعِ، وَهُوَ فِي حُمَّاهُ فَهُوَ كَعَطِيَّةِ الصَّحِيحِ وَمَا أَعْطَى مَنْ بِهِ حُمَّى غَيْرُ رِبْعٍ فَعَطِيَّةُ مَرِيضٍ، فَإِنْ كَانَ مَعَ الرِّبْعِ غَيْرُهَا مِنْ الْأَوْجَاعِ وَكَانَ ذَلِكَ الْوَجَعُ مَخُوفًا فَعَطِيَّتُهُ كَعَطِيَّةِ الْمَرِيضِ مَا لَمْ يَبْرَأْ مِنْ ذَلِكَ الْوَجَعِ وَذَلِكَ مِثْلُ الْبِرْسَامِ وَالرُّعَافِ الدَّائِمِ وَذَاتِ الْجَنْبِ وَالْخَاصِرَةِ وَالْقُولَنْجِ وَمَا أَشْبَهَ هَذَا وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَا انْفَرَدَ فَهُوَ مَرَضٌ مَخُوفٌ، وَإِذَا ابْتَدَأَ الْبَطْنُ بِالرَّجُلِ فَأَصَابَهُ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ لاَ يَأْتِي فِيهِ دَمٌ، وَلاَ شَيْءٌ غَيْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْخَلاَءِ لَمْ يَكُنْ مَخُوفًا، فَإِنْ اسْتَمَرَّ بِهِ بَعْدَ يَوْمَيْنِ حَتَّى يُعَجِّلَهُ، أَوْ يَمْنَعَهُ نَوْمًا، أَوْ يَكُونَ مُنْخَرِقًا فَهُوَ مَخُوفٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْبَطْنُ مُنْخَرِقًا وَكَانَ مَعَهُ زَحِيرٌ، أَوْ تَقْطِيعٌ فَهُوَ مَخُوفٌ قَالَ وَمَا أَشْكَلَ مِنْ هَذَا أَنْ يُخَلَّصَ بَيْنَ مَخُوفِهِ وَغَيْرِ مَخُوفِهِ سُئِلَ عَنْهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِهِ، فَإِنْ قَالُوا‏:‏ هُوَ مَخُوفٌ لَمْ تَجُزْ عَطِيَّتُهُ إذَا مَاتَ إلَّا مِنْ ثُلُثِهِ، وَإِنْ قَالُوا‏:‏ لاَ يَكُونُ مَخُوفًا جَازَتْ عَطِيَّتُهُ جَوَازَ عَطِيَّةِ الصَّحِيحِ، وَمَنْ سَاوَرَهُ الدَّمُ حَتَّى تَغَيَّرَ عَقْلُهُ أَوْ تَغَلَّبَهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَقْلُهُ، أَوْ الْمُزَارُ فَهُوَ فِي حَالِهِ تِلْكَ مَخُوفٌ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَطَاوَلَ بِهِ كَانَ كَذَلِكَ، وَمَنْ سَاوَرَهُ الْبَلْغَمُ كَانَ مَخُوفًا عَلَيْهِ فِي حَالِ مُسَاوَرَتِهِ، فَإِنْ اسْتَمَرَّ بِهِ فَالِجٌ فَالْأَغْلَبُ أَنَّ الْفَالِجَ يَتَطَاوَلُ بِهِ وَأَنَّهُ غَيْرُ مَخُوفِ الْمُعَاجَلَةِ، وَكَذَلِكَ إنْ أَصَابَهُ سُلٌّ فَالْأَغْلَبُ أَنَّ السُّلَّ يَتَطَاوَلُ، وَهُوَ غَيْرُ مَخُوفِ الْمُعَاجَلَةِ، وَلَوْ أَصَابَهُ طَاعُونٌ فَهَذَا مَخُوفٌ عَلَيْهِ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ الطَّاعُونُ، وَمَنْ أَنْفَذَتْهُ الْجِرَاحُ حَتَّى تَصِلَ مِنْهُ إلَى جَوْفٍ فَهُوَ مَخُوفٌ عَلَيْهِ وَمَنْ أَصَابَهُ مِنْ الْجِرَاحِ مَا لاَ يَصِلُ مِنْهُ إلَى مَقْتَلٍ فَإِنْ كَانَ لاَ يُحَمُّ عَلَيْهَا، وَلاَ يَجْلِسُ لَهَا، وَلاَ يَغْلِبُهُ لَهَا وَجَعٌ، وَلاَ يُصِيبُهُ فِيهَا ضَرَبَانٌ وَلاَ أَذًى، وَلَمْ يَأْكُلْ وَيَرْمِ فَهَذَا غَيْرُ مَخُوفٍ، وَإِنْ أَصَابَهُ بَعْضُ هَذَا فَهُوَ مَخُوفٌ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ ثُمَّ جَمِيعُ الْأَوْجَاعِ الَّتِي لَمْ تُسَمَّ عَلَى مَا وَصَفْت يُسْأَلُ عَنْهَا أَهْلُ الْعِلْمِ بِهَا فَإِنْ قَالُوا مَخُوفَةٌ فَعَطِيَّةُ الْمُعْطِي عَطِيَّةُ مَرِيضٍ، وَإِنْ قَالُوا‏:‏ غَيْرُ مَخُوفَةٍ فَعَطِيَّتُهُ عَطِيَّةُ صَحِيحٍ، وَأَقَلُّ مَا يَكُونُ فِي الْمَسْأَلَةِ عَنْ ذَلِكَ وَالشَّهَادَةِ بِهِ شَاهِدَانِ ذَوَا عَدْلٍ‏.‏

باب عَطِيَّةِ الْحَامِلِ وَغَيْرِهَا مِمَّنْ يُخَافُ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ وَتَجُوزُ عَطِيَّةُ الْحَامِلِ حَتَّى يَضْرِبَهَا الطَّلْقُ لِوِلاَدٍ، أَوْ إسْقَاطٍ فَتَكُونَ تِلْكَ حَالَ خَوْفٍ عَلَيْهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ بِهَا مَرَضٌ غَيْرَ الْحَمْلِ مِمَّا لَوْ أَصَابَ غَيْرَ الْحَامِلِ كَانَتْ عَطِيَّتُهَا عَطِيَّةَ مَرِيضٍ، وَإِذَا وَلَدَتْ الْحَامِلُ فَإِنْ كَانَ بِهَا وَجَعٌ مِنْ جُرْحٍ، أَوْ وَرَمٍ، أَوْ بَقِيَّةِ طَلْقٍ، أَوْ أَمْرٍ مَخُوفٍ فَعَطِيَّتُهَا عَطِيَّةُ مَرِيضٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهَا مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ فَعَطِيَّتُهَا عَطِيَّةُ صَحِيحٍ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ فَإِنْ ضُرِبَتْ الْمَرْأَةُ، أَوْ الرَّجُلُ بِسِيَاطٍ، أَوْ خَشَبٍ، أَوْ حِجَارَةٍ فَثَقَبَ الضَّرْبُ جَوْفًا أَوْ وَرَّمَ بَدَنًا، أَوْ حَمَلَ قَيْحًا فَهَذَا كُلُّهُ مَخُوفٌ، وَهُوَ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ هَذَا فِي أَوَّلِ مَا يَكُونُ الضَّرْبُ إنْ كَانَ مِمَّا يَصْنَعُ مِثْلُهُ مِثْلَ هَذَا مَخُوفٌ، فَإِنْ أَتَتْ عَلَيْهِ أَيَّامٌ يُؤْمَنُ فِيهَا أَنْ يَبْقَى بَعْدَهَا وَكَانَ مُقَتِّلاً فَلَيْسَ بِمَخُوفٍ‏.‏

باب عَطِيَّةِ الرَّجُلِ فِي الْحَرْبِ وَالْبَحْرِ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ وَتَجُوزُ عَطِيَّةُ الرَّجُلِ فِي الْحَرْبِ حَتَّى يَلْتَحِمَ فِيهَا، فَإِذَا الْتَحَمَ كَانَتْ عَطِيَّتُهُ كَعَطِيَّةِ الْمَرِيضِ كَانَ مُحَارِبًا مُسْلِمِينَ، أَوْ عَدُوًّا‏.‏

قَالَ الرَّبِيعُ وَلَهُ فِيمَا أَعْلَمُ قَوْلٌ آخَرُ‏:‏ أَنَّ عَطِيَّتَهُ عَطِيَّةُ الصَّحِيحِ حَتَّى يُجْرَحَ‏.‏

قَالَ وَقَدْ قَالَ‏:‏ لَوْ قُدِّمَ فِي قِصَاصٍ؛ لِضَرْبِ عُنُقِهِ إنَّ عَطِيَّتَهُ عَطِيَّةُ الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُعْفَى عَنْهُ، فَإِذَا أُسِرَ فَإِنْ كَانَ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ جَازَتْ عَطِيَّتُهُ فِي مَالِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي أَيْدِي مُشْرِكِينَ لاَ يَقْتُلُونَ أَسِيرًا فَكَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِي أَيْدِي مُشْرِكِينَ يَقْتُلُونَ الْأَسْرَى وَيَدَعُونَهُمْ فَعَطِيَّتُهُ عَطِيَّةُ الْمَرِيضِ؛ لِأَنَّ الْأَغْلَبَ مِنْهُمْ أَنْ يَقْتُلُوا وَلَيْسَ يَخْلُو الْمَرْءُ فِي حَالٍ أَبَدًا مِنْ رَجَاءِ الْحَيَاةِ وَخَوْفِ الْمَوْتِ لَكِنْ إذَا كَانَ الْأَغْلَبُ عِنْدَهُ، وَعِنْدَ غَيْرِهِ الْخَوْفَ عَلَيْهِ فَعَطِيَّتُهُ عَطِيَّةُ مَرِيضٍ، وَإِذَا كَانَ الْأَغْلَبُ عِنْدَهُ، وَعِنْدَ غَيْرِهِ الْأَمَانَ عَلَيْهِ مِمَّا نَزَلَ بِهِ مِنْ وَجَعٍ أَوْ إسَارٍ، أَوْ حَالٍ كَانَتْ عَطِيَّتُهُ عَطِيَّةَ الصَّحِيحِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَإِنْ كَانَ فِي مُشْرِكِينَ يَفُونَ بِالْعَهْدِ فَأَعْطَوْهُ أَمَانًا عَلَى شَيْءٍ يُعْطِيهُمُوهُ، أَوْ عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ فَعَطِيَّتُهُ عَطِيَّةُ الصَّحِيحِ‏.‏

باب الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ عَنْ مُجَاهِدٍ يَعْنِي فِي حَدِيثِ «لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَرَأَيْت مُتَظَاهِرًا عِنْدَ عَامَّةِ مَنْ لَقِيت مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْمَغَازِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ عَامَ الْفَتْحِ «لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»، وَلَمْ أَرَ بَيْنَ النَّاسِ فِي ذَلِكَ اخْتِلاَفًا، وَإِذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» فَحُكْمُ الْوَصِيَّةِ لِوَارِثٍ حُكْمُ مَا لَمْ يَكُنْ فَمَتَى أَوْصَى رَجُلٌ لِوَارِثٍ وَقَفْنَا الْوَصِيَّةَ فَإِنْ مَاتَ الْمُوصِي وَالْمُوصَى لَهُ وَارِثٌ فَلاَ وَصِيَّةَ لَهُ، وَإِنْ حَدَثَ لِلْمُوصِي وَارِثٌ يَحْجُبُهُ، أَوْ خَرَجَ الْمُوصَى لَهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ يَوْمَ يَمُوتُ وَارِثًا لَهُ، بِأَنْ يَكُونَ أَوْصَى صَحِيحًا لِامْرَأَتِهِ، ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلاَثًا، ثُمَّ مَاتَ مَكَانَهُ فَلَمْ تَرِثْهُ فَالْوَصِيَّةُ لَهَا جَائِزَةٌ لِأَنَّهَا غَيْرُ وَارِثَةٍ، وَإِنَّمَا تُرَدُّ الْوَصِيَّةُ وَتَجُوزُ إذَا كَانَ لَهَا حُكْمٌ، وَلاَ يَكُونُ لَهَا حُكْمٌ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي حَتَّى تَجِبَ، أَوْ تَبْطُلَ‏.‏

وَلَوْ أَوْصَى لِرَجُلٍ وَلَهُ دُونَهُ وَارِثٌ يَحْجُبُهُ فَمَاتَ الْوَارِثُ قَبْلَ الْمُوصِي فَصَارَ الْمُوصَى لَهُ وَارِثًا أَوْ لِامْرَأَةٍ، ثُمَّ نَكَحَهَا وَمَاتَ وَهِيَ زَوْجَتُهُ بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ لَهُمَا مَعًا؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ وَصِيَّةً لِوَارِثٍ، وَلَوْ أَوْصَى لِوَارِثٍ وَأَجْنَبِيٍّ بِعَبْدٍ، أَوْ أَعْبُدٍ، أَوْ دَارٍ، أَوْ ثَوْبٍ، أَوْ مَالٍ مُسَمًّى مَا كَانَ بَطَلَ نَصِيبُ الْوَارِثِ وَجَازَ لِلْأَجْنَبِيِّ مَا يُصِيبُهُ، وَهُوَ النِّصْفُ مِنْ جَمِيعِ مَا أَوْصَى بِهِ لِلْوَارِثِ وَالْأَجْنَبِيِّ، وَلَكِنْ لَوْ قَالَ أَوْصَيْت بِكَذَا لِفُلاَنٍ وَفُلاَنٍ فَإِنْ كَانَ سَمَّى لِلْوَارِثِ ثُلُثًا وَلِلْأَجْنَبِيِّ ثُلُثَيْ مَا أَوْصَى بِهِ جَازَ لِلْأَجْنَبِيِّ مَا سُمِّيَ لَهُ وَرُدَّ عَنْ الْوَارِثِ مَا سُمِّيَ لَهُ، وَلَوْ كَانَ لَهُ ابْنٌ يَرِثُهُ وَلِابْنِهِ أُمٌّ وَلَدَتْهُ أَوْ حَضَنَتْهُ، أَوْ أَرْضَعَتْهُ، أَوْ أَبٌ أَرْضَعَهُ، أَوْ زَوْجَةٌ، أَوْ وَلَدٌ لاَ يَرِثُهُ أَوْ خَادِمٌ، أَوْ غَيْرُهُ فَأَوْصَى لِهَؤُلاَءِ كُلِّهِمْ، أَوْ لِبَعْضِهِمْ جَازَتْ لَهُمْ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّ كُلَّ هَؤُلاَءِ غَيْرُ وَارِثٍ، وَكُلَّ هَؤُلاَءِ مَالِكٌ لِمَا أَوْصَى لَهُ بِهِ؛ لِمِلْكِهِ مَالَهُ إنْ شَاءَ مَنَعَهُ ابْنَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُ إيَّاهُ، وَمَا أَحَدٌ أَوْلَى بِوَصِيَّتِهِ مِنْ ذَوِي قَرَابَتِهِ وَمَنْ عَطَفَ عَلَى وَلَدِهِ وَلَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الْوَصِيَّةَ فَقَالَ «إنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ» وَأَنَّ الْأَغْلَبَ مِنْ الْأَقْرَبِينَ؛ لِأَنَّهُمْ يَبْتَلُونَ أَوْلاَدَ الْمُوصِي بِالْقَرَابَةِ، ثُمَّ الْأَغْلَبُ أَنْ يَزِيدُوا وَأَنْ يَبْتَلُوهُمْ بِصِلَةِ أَبِيهِمْ لَهُمْ بِالْوَصِيَّةِ وَيَنْبَغِي لِمَنْ مَنَعَ أَحَدًا مَخَافَةَ أَنْ يَرُدَّ عَلَى وَارِثٍ أَوْ يَنْفَعَهُ أَنْ يَمْنَعَ ذَوِي الْقَرَابَةِ وَأَنْ لاَ يُعْتِقَ الْعَبِيدَ الَّذِينَ قَدْ عُرِفُوا بِالْعَطْفِ عَلَى الْوَرَثَةِ، وَلَكِنْ لاَ يَمْنَعُ أَحَدٌ وَصِيَّةَ غَيْرِ الْوَارِثِ بِالْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا لاَ يَخْتَلِفُ فِيهِ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِمَّنْ لَقِيَتْ‏.‏

باب مَا يَجُوزُ مِنْ إجَازَةِ الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ وَغَيْرِهِ وَمَا لاَ يَجُوزُ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ وَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يُوصِيَ لِوَارِثٍ فَقَالَ لِلْوَرَثَةِ إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُوصِيَ بِثُلُثِي لِفُلاَنٍ وَارِثِي فَإِنْ أَجَزْتُمْ ذَلِكَ فَعَلْت، وَإِنْ لَمْ تُجِيزُوا أَوْصَيْت بِثُلُثِي لِمَنْ تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لَهُ فَأَشْهَدُوا لَهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِأَنْ قَدْ أَجَازُوا لَهُ جَمِيعَ مَا أَوْصَى لَهُ وَعَلِمُوهُ، ثُمَّ مَاتَ فَخَيْرٌ لَهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُجِيزُوهُ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ صِدْقًا وَوَفَاءً بِوَعْدٍ وَبُعْدًا مِنْ غَدْرٍ وَطَاعَةً لِلْمَيِّتِ وَبِرًّا لِلْحَيِّ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا لَمْ يُجْبِرْهُمْ الْحَاكِمُ عَلَى إجَازَتِهِ، وَلَمْ يَخْرُجْ ثُلُثُ مَالِ الْمَيِّتِ فِي شَيْءٍ إذَا لَمْ يُخْرِجْهُ هُوَ فِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّ إجازتهموه قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ الْمَيِّتُ لاَ يَلْزَمُهُمْ بِهَا حُكْمٌ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُمْ أَجَازُوا مَا لَيْسَ لَهُمْ، أَلاَ تَرَى أَنَّهُمْ قَدْ يَكُونُونَ ثَلاَثَةً وَاثْنَيْنِ وَوَاحِدًا فَتَحْدُثُ لَهُ أَوْلاَدٌ أَكْثَرُ مِنْهُمْ فَيَكُونُونَ أَجَازُوا كُلَّ الثُّلُثِ إنَّمَا لَهُمْ بَعْضُهُ وَيَحْدُثُ لَهُ وَارِثٌ غَيْرُهُمْ يَحْجُبُهُمْ وَيَمُوتُونَ قَبْلَهُ فَلاَ يَكُونُونَ أَجَازُوا فِي وَاحِدَةٍ مِنْ الْحَالَيْنِ فِي شَيْءٍ يَمْلِكُونَهُ بِحَالٍ، وَإِنَّ أَكْثَرَ أَحْوَالِهِمْ فِيهِ أَنَّهُمْ لاَ يَمْلِكُونَهُ أَبَدًا إلَّا بَعْدَمَا يَمُوتُ أَوَلاَ تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ أَجَازُوهَا لِوَارِثٍ كَانَ الَّذِي أُجِيزَتْ لَهُ الْوَصِيَّةُ قَدْ يَمُوتُ قَبْلَ الْمُوصِي، فَلَوْ كَانَ مِلْكُ الْوَصِيَّةِ بِوَصِيَّةِ الْمَيِّتِ وَإِجَازَتُهُمْ مِلْكَهَا كَانَ لَمْ يُمَلَّكْهَا، وَلاَ شَيْءٌ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ إلَّا بِمَوْتِهِ وَبَقَائِهِ بَعْدَهُ فَكَذَلِكَ الَّذِينَ أَجَازُوا لَهُ الْوَصِيَّةَ أَجَازُوهَا فِيمَا لاَ يَمْلِكُونَ، وَفِيمَا قَدْ لاَ يَمْلِكُونَهُ أَبَدًا‏.‏

قَالَ وَهَكَذَا لَوْ اسْتَأْذَنَهُمْ فِيمَا يُجَاوِزُ الثُّلُثَ مِنْ وَصِيَّتِهِ فَأَذِنُوا لَهُ بِهِ وَهَكَذَا لَوْ قَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ مِيرَاثِي مِنْك لِأَخِي فُلاَنٍ، أَوْ لِبَنِي فُلاَنٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ؛ لِأَنَّهُ أَعْطَاهُ مَا لَمْ يَمْلِكْ وَهَكَذَا لَوْ اسْتَأْذَنَهُمْ فِي عِتْقِ عَبِيدٍ لَهُ أَعْتَقَهُمْ بَعْدَ مَوْتِهِ فَلَمْ يَخْرُجُوا مِنْ الثُّلُثِ كَانَ لَهُمْ رَدُّ مَنْ لاَ يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ مِنْهُمْ وَخَيْرٌ فِي هَذَا كُلِّهِ أَنْ يُجِيزُوهُ، وَلَكِنَّهُ لَوْ أَوْصَى لِوَارِثٍ بِوَصِيَّةٍ فَقَالَ‏:‏ فَإِنْ أَجَازَهَا الْوَرَثَةُ وَإِلَّا فَهِيَ لِفُلاَنٍ رَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ، أَوْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ فِي شَيْءٍ مِمَّا تَجُوزُ لَهُ الْوَصِيَّةُ بِهِ مَضَى ذَلِكَ عَلَى مَا قَالَ إنْ أَجَازَهَا الْوَرَثَةُ جَازَتْ، وَإِنْ رَدُّوهَا فَذَلِكَ لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ أَنْ يُنَفِّذُوهَا لِمَنْ أَوْصَى لَهُ بِهَا إنْ لَمْ تُجِزْهَا الْوَرَثَةُ؛ لِأَنَّهَا وَصِيَّةٌ لِغَيْرِ وَارِثٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْصَى بِوَصِيَّةٍ لِرَجُلٍ فَقَالَ‏:‏ فَإِنْ مَاتَ قَبْلِي فَمَا أَوْصَيْت لَهُ بِهِ لِفُلاَنٍ، فَمَاتَ قَبْلَهُ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ لِفُلاَنٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِفُلاَنٍ ثُلُثِي إلَّا أَنْ يَقْدَمَ فُلاَنٌ فَقَدِمَ فُلاَنٌ هَذَا الْبَلَدَ فَهُوَ لَهُ جَازَ ذَلِكَ عَلَى مَا قَالَ‏.‏

باب مَا يَجُوزُ مِنْ إجَازَةِ الْوَرَثَةِ لِلْوَصِيَّةِ وَمَا لاَ يَجُوزُ

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ‏:‏ قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى، وَإِذَا أَوْصَى الْمَيِّتُ لِمَنْ لاَ تَجُوزُ لَهُ وَصِيَّتُهُ مِنْ وَارِثٍ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ بِمَا لاَ تَجُوزُ بِهِ مِمَّا جَاوَزَ الثُّلُثَ فَمَاتَ، وَقَدْ عَلِمُوا مَا أَوْصَى بِهِ وَتَرَكَ، فَقَالُوا‏:‏ قَدْ أَجَزْنَا مَا صَنَعَ فَفِيهَا قَوْلاَنِ‏:‏ أَحَدُهُمَا‏:‏ أَنَّ قَوْلَهُمْ بَعْدَ عِلْمِهِمْ وَقَصِّهِمْ مِيرَاثَهُ لَهُمْ قَدْ أَجَزْنَا مَا صَنَعَ جَائِزٌ لِمَنْ أَجَازُوهُ لَهُ كَهِبَتِهِ لَوْ دَفَعُوهُ إلَيْهِ مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَلاَ سَبِيلَ لَهُمْ فِي الرُّجُوعِ فِيهِ وَمَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَالَ إنَّ الْوِصَايَةَ بَعْدَ الْمَوْتِ مُخَالِفَةٌ عَطَايَا الْأَحْيَاءِ الَّتِي لاَ تَجُوزُ إلَّا بِقَبْضٍ مِنْ قِبَلِ أَنَّ مُعْطِيَهَا قَدْ مَاتَ، وَلاَ يَكُونُ مَالِكًا قَابِضًا لِشَيْءٍ يُخْرِجُهُ مِنْ يَدَيْهِ، وَإِنَّمَا هِيَ إدْخَالٌ مِنْهُ لِأَهْلِ الْوَصِيَّةِ عَلَى الْوَرَثَةِ فَقَوْلُهُ فِي وَصِيَّتِهِ يُثْبِتُ لِأَهْلِ الْوَصِيَّةِ فِيمَا يَجُوزُ لَهُمْ يُثْبِتُ لَهُمْ مَا يَثْبُتُ لِأَهْلِ الْمِيرَاثِ، وَإِذَا كَانَ هَكَذَا فَأَجَازَ الْوَرَثَةُ بَعْدَ عِلْمِهِمْ وَمِلْكِهِمْ فَإِنَّمَا قَطَعُوا حُقُوقَهُمْ مِنْ مَوَارِيثِهِمْ عَمَّا أَوْصَى بِهِ الْمَيِّتُ مَضَى عَلَى مَا فَعَلَ مِنْهُ جَائِزٌ لَهُ جَوَازَ مَا فَعَلَ مِمَّا لَمْ يَرُدُّوهُ وَلَيْسَ مَا أَجَازُوا لِأَهْلِ الْوَصَايَا بِشَيْءٍ فِي أَيْدِيهِمْ فَيُخْرِجُونَهُ إلَيْهِمْ إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ لَمْ يَصِرْ إلَيْهِمْ إلَّا بِسَبَبِ الْمَيِّتِ، وَإِذَا سَلَّمُوا حُقُوقَهُمْ سُلِّمَ ذَلِكَ لِمَنْ سَلَّمُوهُ لَهُ كَمَا يَبْرَءُونَ مِنْ الدَّيْنِ وَالدَّعْوَى فَيَبْرَأُ مِنْهَا مَنْ أَبْرَءُوهُ وَيَبْرَءُونَ مِنْ حُقُوقِهِمْ مِنْ الشُّفْعَةِ فَتَنْقَطِعُ حُقُوقُهُمْ فِيهَا، وَلِهَذَا وَجْهٌ مُحْتَمَلٌ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي‏:‏ أَنْ يَقُولَ مَا تَرَكَ الْمَيِّتُ مِمَّا لاَ تَجُوزُ لَهُ الْوَصِيَّةُ بِهِ فَهُوَ مِلْكٌ نَقَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِمْ فَكَيْنُونَتُهُ فِي أَيْدِيهِمْ وَغَيْرُ كَيْنُونَتِهِ سَوَاءٌ‏.‏

وَإِجَازَتُهُمْ مَا صَنَعَ الْمَيِّتُ هِبَةٌ مِنْهُمْ لِمَنْ وَهَبُوهُ لَهُ فَمَنْ دَفَعُوهُ إلَيْهِ جَازَ لَهُ وَلَهُمْ الرُّجُوعُ مَا لَمْ يَدْفَعُوهُ كَمَا تَكُونُ لَهُمْ أَمْوَالٌ وَدَائِعُ فِي أَيْدِي غَيْرِهِمْ فَيَهَبُونَ مِنْهَا الشَّيْءَ لِغَيْرِهِمْ فَلاَ تَتِمُّ لَهُ الْهِبَةُ إلَّا بِالْقَبْضِ، وَلِهَذَا وَجْهٌ مُحْتَمَلٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَإِنْ قَالُوا أَجَزْنَا مَا صَنَعَ، وَلاَ نَعْلَمُهُ وَكُنَّا نَرَاهُ يَسِيرًا انْبَغَى فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا أَنْ يُقَالَ أَجِيزُوا يَسِيرًا وَاحْلِفُوا مَا أَجَزْتُمُوهُ إلَّا وَأَنْتُمْ تَرَوْنَهُ هَكَذَا، ثُمَّ لَهُمْ الرُّجُوعُ فِيمَا بَقِيَ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانُوا غُيَّبًا، وَإِنْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِمْ الْبَيِّنَةُ بِأَنَّهُمْ عَلِمُوهُ جَازَتْ عَلَيْهِمْ فِي قَوْلِ مَنْ أَجَازَ إجَازَتَهُمْ بِغَيْرِ قَبْضٍ، وَإِنَّمَا تَجُوزُ عَلَيْهِمْ إذَا أَوْصَى بِثُلُثَيْ مَالِهِ، أَوْ بِمَالِهِ كُلِّهِ أَوْ بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ مِنْهُ إنْ عَلِمُوا كَمْ تَرَكَ كَأَنْ أَوْصَى بِشَيْءٍ يُسَمِّيهِ فَقَالَ لِفُلاَنٍ كَذَا وَكَذَا دِينَارًا وَلِفُلاَنٍ عَبْدِي فُلاَنٌ وَلِفُلاَنٍ مِنْ إبِلِي كَذَا وَكَذَا فَقَالُوا قَدْ أَجَزْنَا لَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالُوا إنَّمَا أَجَزْنَا ذَلِكَ وَنَحْنُ نَرَاهُ يُجَاوِزُ الثُّلُثَ بِيَسِيرٍ لِأَنَّا قَدْ عَهِدْنَا لَهُ مَالاً فَلَمْ نَجِدْهُ أَوْ عَهِدْنَاهُ غَيْرَ ذِي دَيْنٍ فَوَجَدْنَا عَلَيْهِ دَيْنًا فَفِيهِ قَوْلاَنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يُقَالَ هَذَا يَلْزَمُهُمْ فِي قَوْلِ مَنْ أَجَازَ إجَازَتَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ أَجَازُوا مَا يَعْرِفُونَ وَمَا لاَ يُعْذَرُونَ بِجَهَالَتِهِمْ وَالْآخَرُ أَنَّ لَهُمْ أَنْ يَحْلِفُوا وَيَرُدُّوا الْآنَ هَذَا إنَّمَا يَجُوزُ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ وَيُقَالُ لَهُمْ إذًا احْلِفُوا‏:‏ أَجِيزُوا مِنْهُ مَا كُنْتُمْ تَرَوْنَهُ يُجَاوِزُ الثُّلُثَ سُدُسًا كَانَ أَوْ رُبُعًا، أَوْ أَقَلَّ، أَوْ أَكْثَرَ‏.‏

باب اخْتِلاَفِ الْوَرَثَةِ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ وَإِنْ أَجَازَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ فِيمَا تَلْزَمُ الْإِجَازَةُ فِيهِ، وَلَمْ يُجِزْ بَعْضُهُمْ جَازَ فِي حِصَّةِ مَنْ أَجَازَ مَا أَجَازَ كَأَنَّ الْوَرَثَةَ كَانُوا اثْنَيْنِ فَيَجِبُ لِلْمُوصَى لَهُ نِصْفُ مَا أَوْصَى لَهُ بِهِ مِمَّا جَاوَزَ الثُّلُثَ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَلَوْ كَانَ فِي الْوَرَثَةِ صَغِيرٌ، أَوْ بَالِغٌ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ، أَوْ مَعْتُوهٌ لَمْ يَجُزْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلاَءِ أَنْ يُجِيزَ فِي نَصِيبِهِ بِشَيْءٍ جَاوَزَ الثُّلُثَ مِنْ الْوَصِيَّةِ، وَلَمْ يَكُنْ لِوَلِيٍّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلاَءِ أَنْ يُجِيزَ ذَلِكَ فِي نَصِيبِهِ، وَلَوْ أَجَازَ ذَلِكَ فِي مَالِهِ كَانَ ضَامِنًا لَهُ فِي مَالِهِ، وَإِنْ وُجِدَ فِي يَدَيْ مَنْ أُجِيزَ لَهُ أُخِذَ مِنْ يَدَيْهِ وَكَانَ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَتْبَعَ مَنْ أَعْطَاهُ إيَّاهُ بِمَا أَعْطَى مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَعْطَاهُ مَا لاَ يَمْلِكُ‏.‏

الْوَصِيَّةُ لِلْقَرَابَةِ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله‏:‏ وَإِذَا أَوْصَى الرَّجُلُ فَقَالَ‏:‏ ثُلُثُ مَالِي لِقَرَابَتِي أَوْ لِذَوِي قَرَابَتِي، أَوْ لِرَحِمِي، أَوْ لِذَوِي رَحِمِي، أَوْ لِأَرْحَامِي، أَوْ لِأَقْرِبَائِي، أَوْ قَرَابَاتِي فَذَلِكَ كُلُّهُ سَوَاءٌ وَالْقَرَابَةُ مِنْ قِبَل الْأُمِّ وَالْأَبِ فِي الْوَصِيَّةِ سَوَاءٌ وَأَقْرَبُ قَرَابَتِهِ وَأَبْعَدُهُمْ مِنْهُ فِي الْوَصِيَّةِ سَوَاءٌ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى وَالْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ؛ لِأَنَّهُمْ أُعْطُوا بِاسْمِ الْقَرَابَةِ فَاسْمُ الْقَرَابَةِ يَلْزَمُهُمْ مَعًا كَمَا أُعْطِيَ مَنْ شَهِدَ الْقِتَالَ بِاسْمِ الْحُضُورِ‏.‏

وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ مِنْ قَبِيلَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَأَوْصَى فِي قَرَابَتِهِ فَلاَ يَجُوزُ إذَا كَانَ كُلُّ مَنْ يُعْرَفُ نَسَبُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ يَلْقَاهُ إلَى أَبٍ، وَإِنْ بَعُدَ قَرَابَةً، فَإِذَا كَانَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْعَامَّةِ أَنَّ مَنْ قَالَ مِنْ قُرَيْشٍ لِقَرَابَتِي لاَ يُرِيدُ جَمِيعَ قُرَيْشٍ، وَلاَ مَنْ هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُمْ وَمَنْ قَالَ‏:‏ لِقَرَابَتِي لاَ يُرِيدُ أَقْرَبَ النَّاسِ، أَوْ ذَوِي قَرَابَةٍ أَبْعَدَ مِنْهُ بِأَبٍ، وَإِنْ كَانَ قَرِيبًا صِيرَ إلَى الْمَعْرُوفِ مِنْ قَوْلِ الْعَامَّةِ ذَوِي قَرَابَتِي فَيُنْظَرُ إلَى الْقَبِيلَةِ الَّتِي يُنْسَبُ إلَيْهَا‏؟‏ فَيُقَالُ‏:‏ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، ثُمَّ يُقَالُ‏:‏ قَدْ يَتَفَرَّقُ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ فَمِنْ أَيِّهِمْ‏؟‏ فَيُقَالُ مِنْ بَنِي الْمُطَّلِبِ فَيُقَالُ أَيَتَمَيَّزُ بَنُو الْمُطَّلِبِ‏؟‏ قِيلَ‏:‏ نَعَمْ هُمْ قَبَائِلُ فَمِنْ أَيِّهِمْ‏؟‏ قِيلَ‏:‏ مِنْ بَنِي عَبْدِ يَزِيدَ بْنِ هَاشِمِ بْنِ الْمُطَّلِبِ فَيُقَالُ أَفَيَتَمَيَّزُ هَؤُلاَءِ‏؟‏ قِيلَ‏:‏ نَعَمْ هُمْ قَبَائِلُ قِيلَ فَمِنْ أَيِّهِمْ‏؟‏ قِيلَ‏:‏ مِنْ بَنِي عُبَيْدِ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ قِيلَ أَفَيَتَمَيَّزُ هَؤُلاَءِ‏؟‏ قِيلَ نَعَمْ هُمْ بَنُو السَّائِبِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ قِيلَ‏:‏ وَبَنُو شَافِعٍ وَبَنُو عَلِيٍّ وَبَنُو عَبَّاسٍ وَكُلُّ هَؤُلاَءِ مِنْ بَنِي السَّائِبِ، فَإِنْ قِيلَ‏:‏ أَفَيَتَمَيَّزُ هَؤُلاَءِ‏؟‏ قِيلَ‏:‏ نَعَمْ كُلُّ بَطْنٍ مِنْ هَؤُلاَءِ يَتَمَيَّزُ عَنْ صَاحِبِهِ، فَإِذَا كَانَ مِنْ آلِ شَافِعٍ فَقَالَ لِقَرَابَتِهِ فَهُوَ لِآلِ شَافِعٍ دُونَ آلِ عَلِيٍّ وَآلِ عَبَّاسٍ، وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ هَؤُلاَءِ يَتَمَيَّزُونَ ظَاهِرَ التَّمْيِيزِ مِنْ الْبَطْنِ الْآخَرِ يَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْهُمْ إذَا قَصَدُوا آبَاءَهُمْ دُونَ الشُّعُوبِ وَالْقَبَائِلِ فِي آبَائِهِمْ، وَفِي تَنَاصُرِهِمْ وَتَنَاكُحِهِمْ وَيَحُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَلَى هَؤُلاَءِ الَّذِينَ مَعَهُمْ‏.‏

وَلَوْ قَالَ‏:‏ ثُلُثُ مَالِي لِأَقْرَبِ قَرَابَتِي، أَوْ لِأَدْنَى قَرَابَتِي، أَوْ لِأَلْصَقِ قَرَابَتِي كَانَ هَذَا كُلُّهُ سَوَاءً وَنَظَرْنَا إلَى أَقْرَبِ النَّاسِ مِنْهُ رَحِمًا مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَأَعْطَيْنَاهُ إيَّاهُ، وَلَمْ نُعْطِهِ غَيْرَهُ مِمَّنْ هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُ كَأَنَّا وَجَدْنَا لَهُ عَمَّيْنِ وَخَالَيْنِ وَبَنِي عَمٍّ وَبَنِي خَالٍ وَأَعْطَيْنَا الْمَالَ عَمَّيْهِ وَخَالَيْهِ سَوَاءٌ بَيْنَهُمْ دُونَ بَنِي الْعَمِّ وَالْخَالِ؛ لِأَنَّهُمْ يَلْقَوْنَهُ عِنْدَ أَبِيهِ وَأُمِّهِ قَبْلَ بَنِي عَمِّهِ وَخَالِهِ وَهَكَذَا لَوْ وَجَدْنَا لَهُ إخْوَةً لِأَبٍ وَإِخْوَةً لِأُمٍّ وَعَمَّيْنِ وَخَالَيْنِ أَعْطَيْنَا الْمَالَ إخْوَتَهُ لِأَبِيهِ وَإِخْوَتَهُ لِأُمِّهِ دُونَ عَمَّيْهِ وَخَالَيْهِ؛ لِأَنَّهُمْ يَلْقَوْنَهُ عِنْدَ أَبِيهِ وَأُمِّهِ الْأَدْنَيَيْنِ قَبْلَ عَمَّيْهِ وَخَالَيْهِ، وَلَوْ كَانَ مَعَ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ وَالْإِخْوَةِ لِلْأُمِّ إخْوَةٌ لِأَبٍ وَأُمٍّ كَانَ الْمَالُ لَهُمْ دُونَ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ وَالْإِخْوَةِ لِلْأُمِّ؛ لِأَنَّا إذَا عَدَدْنَا الْقَرَابَةَ مِنْ قِبَل الْأَبِ وَالْأُمِّ سَوَاءً فَجَمْعُ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ قَرَابَةُ الْأَبِ وَالْأُمِّ كَانُوا أَقْرَبَ بِالْمَيِّتِ، وَلَوْ كَانَ مَعَ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ وَلَدُ وَلَدٍ مُتَسَفِّلٍ لاَ يَرِثُ كَانَ الْمَالُ لَهُ دُونَ الْإِخْوَةِ؛ لِأَنَّهُ ابْنُ نَفْسِهِ، وَابْنُ نَفْسِهِ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ ابْنِ أَبِيهِ، وَلَوْ كَانَ مَعَ وَلَدِ الْوَلَدِ الْمُسْتَفِلِ جَدٌّ كَانَ الْوَلَدُ أَوْلَى مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ جَدًّا أَدْنَى‏.‏

قَالَ‏:‏ وَلَوْ كَانَ مَعَ الْإِخْوَةِ لِلْأَبِ أَوْ الْأُمِّ جَدٌّ كَانَ الْإِخْوَةُ أَوْلَى مِنْ الْجَدِّ فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ الْإِخْوَةُ أَوْلَى بِوَلاَءِ الْمَوَالِي مِنْ الْجَدِّ؛ لِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ مِنْهُ وَأَنَّهُمْ يَلْقَوْنَ الْمَيِّتَ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ الْمَيِّتُ إلَى الْجَدِّ، وَلَوْ قَالَ فِي هَذَا كُلِّهِ ثُلُثُ مَالِي لِجَمَاعَةٍ مِنْ قَرَابَتِي فَإِنْ كَانَ أَقْرَبَ النَّاسِ بِهِ ثَلاَثَةٌ فَصَاعِدًا فَهُوَ لَهُمْ وَسَوَاءٌ كَانُوا رِجَالاً أَوْ نِسَاءً، وَإِنْ كَانُوا اثْنَيْنِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ وَاحِدٌ، أَوْ أَكْثَرُ كَانَ لِلِاثْنَيْنِ الثُّلُثَانِ مِنْ الثُّلُثِ وَلِلْوَاحِدِ فَأَكْثَرَ مَا بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ، وَإِنْ كَانُوا وَاحِدًا فَلَهُ ثُلُثُ الثُّلُثِ وَلِمَنْ يَلِيهِ مِنْ قَرَابَتِهِ إنْ كَانُوا اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا ثُلُثَا الثُّلُثِ، وَلَوْ كَانَ أَقْرَبَ النَّاسِ وَاحِدًا وَاَلَّذِي يَلِيهِ فِي الْقَرَابَةِ وَاحِدٌ أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُلُثَ الثُّلُثِ وَأَخَذَ الَّذِينَ يَلُونَهُمَا فِي الْقَرَابَةِ وَاحِدَ أَوْ أَكْثَرَ الثُّلُثِ الْبَاقِي سَوَاءً بَيْنَهُمْ‏.‏

باب الْوَصِيَّةِ لِمَا فِي الْبَطْنِ وَالْوَصِيَّةِ بِمَا فِي الْبَطْنِ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ وَتَجُوزُ الْوَصِيَّةُ بِمَا فِي الْبَطْنِ وَلِمَا فِي الْبَطْنِ إذَا كَانَ مَخْلُوقًا يَوْمَ وَقَعَتْ الْوَصِيَّةُ، ثُمَّ يَخْرُجُ حَيًّا، فَلَوْ قَالَ رَجُلٌ‏:‏ مَا فِي بَطْنِ جَارِيَتِي فُلاَنَةَ لِفُلاَنٍ، ثُمَّ تُوُفِّيَ فَوَلَدَتْ جَارِيَتُهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ تَكَلَّمَ بِالْوَصِيَّةِ كَانَ لِمَنْ أَوْصَى لَهُ بِهِ، وَإِنْ وَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ لَمْ يَكُنْ لَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْدُثُ الْحَمْلُ فَيَكُونُ الْحَمْلُ الْحَادِثُ غَيْرَ الَّذِي أُوصِيَ بِهِ، وَلَوْ قَالَ‏:‏ وَلَدُ جَارِيَتِي، أَوْ جَارِيَتِي أَوْ عَبْدٌ بِعَيْنِهِ وَصِيَّةٌ لِمَا فِي بَطْنِ فُلاَنَةَ امْرَأَةٍ يُسَمِّيهَا بِعَيْنِهَا فَإِنْ وَلَدَتْ تِلْكَ الْمَرْأَةُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ تَكَلَّمَ بِالْوَصِيَّةِ فَالْوَصِيَّةُ جَائِزَةٌ، وَإِنْ وَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ تَكَلَّمَ بِالْوَصِيَّةِ فَأَكْثَرَ فَالْوَصِيَّةُ مَرْدُودَةٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْدُث حَمْلٌ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ فَيَكُونُ غَيْرَ مَا أَوْصَى لَهُ، وَإِنْ كَانَ الْحَمْلُ الَّذِي أَوْصَى بِهِ غُلاَمًا، أَوْ جَارِيَةً، أَوْ غُلاَمًا وَجَارِيَةً، أَوْ أَكْثَرَ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ بِهِمْ كُلِّهِمْ جَائِزَةً لِمَنْ أَوْصَى لَهُ بِهِمْ، وَإِنْ كَانَ الْحَمْلُ الَّذِي أَوْصَى لَهُ غُلاَمًا وَجَارِيَةً، أَوْ أَكْثَرَ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ بَيْنَهُمْ سَوَاءً عَلَى الْعَدَدِ، وَإِنْ مَاتَ الْمُوصِي قَبْلَ أَنْ تَلِدَ الَّتِي أَوْصَى لِحَمْلِهَا وَقَفَتْ الْوَصِيَّةُ حَتَّى تَلِدَ، فَإِذَا وَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ لَهُ‏.‏

باب الْوَصِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ وَالْوَصِيَّةِ عَلَى الشَّيْءِ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ وَمَنْ أَوْصَى فَقَالَ‏:‏ إنْ مِتُّ مِنْ مَرَضِي هَذَا فَفُلاَنٌ لِعَبْدٍ لَهُ حُرٌّ وَلِفُلاَنٍ كَذَا وَصِيَّةً وَيَتَصَدَّقُ عَنِّي بِكَذَا، ثُمَّ صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ الَّذِي أَوْصَى فِيهِ، ثُمَّ مَاتَ بَعْدَهُ فَجْأَةً، أَوْ مِنْ مَرَضٍ غَيْرِ ذَلِكَ الْمَرَضِ بَطَلَتْ تِلْكَ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّهُ أَوْصَى إلَى أَجَلٍ وَمَنْ أَوْصَى لَهُ وَأَعْتَقَ عَلَى شَرْطٍ لَمْ يَكُنْ، وَكَذَلِكَ إذَا حَدَّ فِي وَصِيَّتِهِ حَدًّا فَقَالَ‏:‏ إنْ مِتُّ فِي عَامِي هَذَا، أَوْ فِي مَرَضِي هَذَا فَمَاتَ مِنْ مَرَضٍ سِوَاهُ بَطَلَ فَإِنْ أَبْهَمَ هَذَا كُلَّهُ وَقَالَ‏:‏ هَذِهِ وَصِيَّتِي مَا لَمْ أُغَيِّرْهَا فَهُوَ كَمَا قَالَ وَهِيَ وَصِيَّتُهُ مَا لَمْ يُغَيِّرْهَا وَلَكِنَّهُ لَوْ قَالَ‏:‏ هَذَا وَأَشْهَدَ أَنَّ وَصِيَّتَهُ هَذِهِ ثَابِتَةٌ مَا لَمْ يُغَيِّرْهَا كَانَتْ وَصِيَّتُهُ نَافِذَةً‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَإِنْ أَوْصَى فَقَالَ‏:‏ إنْ حَدَثَ بِي حَدَثُ الْمَوْتِ وَصِيَّةً مُرْسَلَةً، وَلَمْ يُحَدِّدْ لَهَا حَدًّا، أَوْ قَالَ‏:‏ مَتَى حَدَثَ بِي حَدَثُ الْمَوْتِ، أَوْ مَتَى مِتُّ فَوَصِيَّتُهُ ثَابِتَةٌ يَنْفُذُ جَمِيعُ مَا فِيهَا مِمَّا جَازَ لَهُ مَتَى مَاتَ مَا لَمْ يُغَيِّرْهَا‏.‏

باب الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ‏:‏ ‏{‏كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ‏}‏ الآيَةَ‏.‏ إلَى ‏{‏الْمُتَّقِينَ‏}‏ وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ فِي آيِ الْمَوَارِيثِ ‏{‏وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ‏}‏ وَذَكَرَ مَنْ وَرِثَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي آيٍ مِنْ كِتَابِهِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَاحْتَمَلَ إجْمَاعُ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ مَعْنَيَيْنِ‏:‏ أَحَدُهُمَا‏:‏ أَنْ يَكُونَ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ الْأَمْرَانِ مَعًا فَيَكُونَ عَلَى الْمُوصِي أَنْ يُوصِيَ لَهُمْ فَيَأْخُذُونَ بِالْوَصِيَّةِ وَيَكُونَ لَهُمْ الْمِيرَاثُ فَيَأْخُذُونَ بِهِ وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ بِالْوَصِيَّةِ نَزَلَ نَاسِخًا لاََنْ تَكُونَ الْوَصِيَّةُ لَهُمْ ثَابِتَةً فَوَجَدْنَا الدَّلاَلَةَ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ الْوَارِثِينَ مَنْسُوخَةٌ بِآيِ الْمَوَارِيثِ مِنْ وَجْهَيْنِ‏:‏ أَحَدُهُمَا‏:‏ أَخْبَارٌ لَيْسَتْ بِمُتَّصِلَةٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ جِهَةِ الْحِجَازِيِّينَ مِنْهَا أَنَّ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ أَخْبَرَنَا عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ‏:‏ «لاَ وَصِيَّهُ لِوَارِثٍ» وَغَيْرُهُ يُثْبِتُهُ بِهَذَا الْوَجْهِ وَوَجَدْنَا غَيْرَهُ قَدْ يَصِلُ فِيهِ حَدِيثًا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِ هَذَا الْمَعْنَى، ثُمَّ لَمْ نَعْلَمْ أَهْلَ الْعِلْمِ فِي الْبُلْدَانِ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْوَالِدَيْنِ مَنْسُوخَةٌ بِآيِ الْمَوَارِيثِ وَاحْتَمَلَ إذَا كَانَتْ مَنْسُوخَةً أَنْ تَكُونَ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ سَاقِطَةً حَتَّى لَوْ أَوْصَى لَهُمَا لَمْ تَجُزْ الْوَصِيَّةُ وَبِهَذَا نَقُولُ، وَمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا لَمْ نَعْلَمُ أَهْلَ الْعِلْمِ اخْتَلَفُوا فِيهِ يَدُلُّ عَلَى هَذَا، وَإِنْ كَانَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ وُجُوبُهَا مَنْسُوخًا‏.‏

وَإِذَا أَوْصَى لَهُمْ جَازَ، وَإِذَا أَوْصَى لِلْوَالِدَيْنِ فَأَجَازَ الْوَرَثَةُ فَلَيْسَ بِالْوَصِيَّةِ أَخَذُوا، وَإِنَّمَا أَخَذُوا بِإِعْطَاءِ الْوَرَثَةِ لَهُمْ مَا لَهُمْ؛ لِأَنَّا قَدْ أَبْطَلْنَا حُكْمَ الْوَصِيَّةِ لَهُمْ فَكَانَ نَصُّ الْمَنْسُوخِ فِي وَصِيَّةِ الْوَالِدَيْنِ وَسَمَّى مَعَهُمْ الْأَقْرَبِينَ جُمْلَةً فَلَمَّا كَانَ الْوَالِدَانِ وَارِثَيْنِ قِسْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ وَارِثٍ، وَكَذَلِكَ الْخَبَرُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا كَانَ الْأَقْرَبُونَ وَرَثَةً وَغَيْرَ وَرَثَةٍ أَبْطَلْنَا الْوَصِيَّةَ لِلْوَرَثَةِ مِنْ الْأَقْرَبِينَ بِالنَّصِّ وَالْقِيَاسِ وَالْخَبَرِ «أَلاَ لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» وَأَجَزْنَا الْوَصِيَّةَ لِلْأَقْرَبَيْنِ وَلِغَيْرِ الْوَرَثَةِ مَنْ كَانَ فَالْأَصْلُ فِي الْوَصَايَا لِمَنْ أَوْصَى فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ مَنْ مَضَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ اخْتَلَفُوا فِيهِ فِي أَنْ يُنْظَرَ إلَى الْوَصَايَا، فَإِذَا كَانَتْ لِمَنْ يَرِثُ الْمَيِّتَ أَبْطَلْتهَا، وَإِنْ كَانَتْ لِمَنْ لاَ يَرِثُهُ أَجَزْتهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي تَجُوزُ بِهِ وَمَوْجُودٌ عِنْدِي وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ فِيمَا وَصَفْت مِنْ الْكِتَابِ وَمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَيْثُ إنَّ مَا لَمْ نَعْلَمْ مَنْ مَضَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ اخْتَلَفُوا فِيهِ أَنَّهُ إنَّمَا يُمْنَعُ الْوَرَثَةُ الْوَصَايَا لِئَلَّا يَأْخُذُوا مَالَ الْمَيِّتِ مِنْ وَجْهَيْنِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَا تَرَكَ الْمُتَوَفَّى يُؤْخَذُ بِمِيرَاثٍ، أَوْ وَصِيَّةٍ فَلَمَّا كَانَ حُكْمُهُمَا مُخْتَلِفَيْنِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُجْمَعَ لِوَاحِدٍ الْحُكْمَانِ الْمُخْتَلِفَانِ فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ وَحَالٍ وَاحِدَةٍ كَمَا لاَ يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى بِالشَّيْءِ وَضِدِّ الشَّيْءِ، وَلَمْ يَحْتَمِلْ مَعْنًى غَيْرَهُ فَإِنْ ذَهَبَ ذَاهِبٌ إلَى أَنْ يَقُولَ إنَّمَا لَمْ تَجُزْ الْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ مِنْ قِبَلِ تُهْمَةِ الْمُوصِي لاََنْ يَكُونَ يُحَابِي وَارِثَهُ بِبَعْضِ مَالِهِ‏.‏

فَلَوْلاَ أَنَّ الْعَنَاءَ مُسْتَعْلٍ عَلَى بَعْضِ مَنْ يَتَعَاطَى الْفِقْهَ مَا كَانَ فِيمَنْ ذَهَبَ إلَى هَذَا الْمَذْهَب عِنْدِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِلْجَوَابِ مَوْضِعٌ؛ لِأَنَّ مَنْ خَفِيَ عَلَيْهِ هَذَا حَتَّى لاَ يَتَبَيَّنَ لَهُ الْخَطَأُ فِيهِ كَانَ شَبِيهًا أَنْ لاَ يُفَرِّقَ بَيْنَ الشَّيْءِ وَضِدِّ الشَّيْءِ فَإِنْ قَالَ‏:‏ قَائِلٌ فَأَيْنَ هَذَا‏؟‏ قِيلَ لَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَرَأَيْت امْرَأً مِنْ الْعَرَبِ عَصَبَتُهُ يَلْقَوْنَهُ بَعْدَ ثَلاَثِينَ أَبًا قَدْ قَتَلَ آبَاءَ عَصَبَتِهِ آبَاءَهُ وَقَتَلَهُمْ آبَاؤُهُ وَبَلَغُوا غَايَةَ الْعَدَاوَةِ بَيْنَهُمْ بتسافك الدِّمَاءِ وَانْتِهَاكِ الْمَحَارِمِ وَالْقَطِيعَةِ وَالنَّفْيِ مِنْ الْأَنْسَابِ فِي الْأَشْعَارِ وَغَيْرِهَا وَمَا كَانَ هُوَ يَصْطَفِي مَا صُنِعَ بِآبَائِهِ وَيُعَادِي عَصَبَتُهُ عَلَيْهِ غَايَةَ الْعَدَاوَةِ وَيَبْذُلُ مَالَهُ فِي أَنْ يَسْفِكَ دِمَاءَهُمْ وَكَانَ مِنْ عَصَبَتِهِ الَّذِينَ يَرِثُونَهُ مَنْ قَتَلَ أَبَوَيْهِ فَأَوْصَى مِنْ مَرَضِهِ لِهَؤُلاَءِ الْقَتَلَةِ وَهُمْ وَرَثَتُهُ مَعَ غَيْرِهِمْ مِنْ عَصَبَتِهِ كَانَ الْوَارِثُ مَعَهُمْ فِي حَالِ عَدَاوَتِهِمْ، أَوْ كَانَ لَهُ سِلْمًا بِهِ بَرًّا وَلَهُ وَاصِلاً، وَكَذَلِكَ كَانَ آبَاؤُهُمَا أَتَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لِأَعْدَائِهِ، وَهُوَ لاَ يُتَّهَمُ فِيهِمْ‏؟‏ فَإِنْ قَالَ‏:‏ لاَ قِيلَ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مِنْ الْمَوَالِي فَكَانَ مَوَالِيهِ قَدْ بَلَغُوا بِآبَائِهِ مَا بَلَغَ بِهِمْ وَبِأَبِيهِمْ مَا وَصَفْت مِنْ حَالِ الْقُرْبَى فَأَوْصَى لِوَرَثَتِهِ مِنْ مَوَالِيهِ وَمَعَهُمْ ابْنَتُهُ أَتَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لَهُمْ، وَهُوَ لاَ يُتَّهَمُ فِيهِمْ‏؟‏ فَإِنْ قَالَ‏:‏ لاَ‏.‏ قِيلَ‏:‏ وَهَكَذَا زَوْجَتُهُ لَوْ كَانَتْ نَاشِزَةً مِنْهُ عَاصِيَةً لَهُ عَظِيمَةَ الْبُهْتَانِ وَتَرْمِيه بِالْقَذْفِ قَدْ سَقَتْهُ سُمًّا لِتَقْتُلَهُ وَضَرَبَتْهُ بِالْحَدِيدِ لِتَقْتُلَهُ فَأَفْلَتَ مِنْ ذَلِكَ وَبَقِيَتْ مُمْتَنِعَةً مِنْهُ وَامْتَنَعَ مِنْ فِرَاقِهَا إضْرَارًا لَهَا، ثُمَّ مَاتَ فَأَوْصَى لَهَا لَمْ تَجُزْ وَصِيَّتُهُ؛ لِأَنَّهَا وَارِثٌ‏.‏ فَإِنْ قَالَ‏:‏ نَعَمْ‏:‏ قِيلَ‏.‏

وَلَوْ أَنَّ أَجْنَبِيًّا مَاتَ لَيْسَ لَهُ وَارِثٌ أَعْظَمَ النِّعْمَةَ عَلَيْهِ صَغِيرًا وَكَبِيرًا وَتَتَابَعَ إحْسَانُهُ عَلَيْهِ، وَكَانَ مَعْرُوفًا بِمَوَدَّتِهِ فَأَوْصَى لَهُ بِثُلُثِ مَالِهِ أَيَجُوزُ‏؟‏ فَإِنْ قَالَ‏:‏ نَعَمْ، قِيلَ‏:‏ وَهَكَذَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لَهُ‏.‏

وَإِنْ كَانَ وَرَثَتُهُ أَعْدَاءً لَهُ‏.‏ فَإِنْ قَالَ‏:‏ نَعَمْ تَجُوزُ وَصِيَّتُهُ فِي ثُلُثِهِ كَانَ وَرَثَتُهُ أَعْدَاءً لَهُ، أَوْ غَيْرَ أَعْدَاءٍ‏.‏ قِيلَ لَهُ‏:‏ أَرَأَيْت لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَبْطُلُ لِلْوَارِثِ وَأَنَّهُ إذَا خَصَّ بِإِبْطَالِ وَصِيَّتِهِ الْوَارِثَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَعْنًى إلَّا مَا قُلْنَا، ثُمَّ كَانَ الْأَصْلُ الَّذِي وَصَفْت لَمْ يَسْبِقْك إلَيْهِ أَحَدٌ يَعْقِلُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ شَيْئًا عَلِمْنَاهُ أَمَا كُنْت تَرَكْته‏؟‏ أَوْ مَا كَانَ يَلْزَمُك أَنْ تَزْعُمَ أَنَّك تَنْظُرُ إلَى وَصِيَّتِهِ أَبَدًا فَإِنْ كَانَتْ وَصِيَّتُهُ لِرَجُلٍ عَدُوٍّ لَهُ أَوْ بَغِيضٍ إلَيْهِ، أَوْ غَيْرِ صِدِّيقٍ أَجَزْتهَا، وَإِنْ كَانَ وَارِثًا، وَإِنْ كَانَتْ لَصَدِيقٍ لَهُ، أَوْ لِذِي يَدٍ عِنْدَهُ أَوْ غَيْرِ عَدُوٍّ فَأَبْطَلْتهَا، وَإِذَا فَعَلْت هَذَا خَرَجْت مِمَّا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِمَّا يَدْخُلُ فِيمَا لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلِمْنَاهُ، أَوَرَأَيْت لَوْ كَانَ لَهُ عَبْدٌ يُعْلَمُ أَنَّهُ أَحَبُّ النَّاسِ إلَيْهِ وَأَوْثَقُهُ فِي نَفْسِهِ وَأَنَّهُ يُعْرَفُ بِتَوْلِيجِ مَالِهِ إلَيْهِ فِي الْحَيَاةِ وَلَدَ وَلَدٍ دُونَ وَلَدِهِ، ثُمَّ مَاتَ وَلَدُهُ فَصَارَ وَارِثُهُ عَدُوًّا لَهُ فَأَعْتَقَ عَبْدَهُ فِي وَصِيَّتِهِ أَلَيْسَ يَلْزَمُك أَنْ لاَ تُجِيزَ الْعِتْقَ لِشَأْنِ تُهْمَتِهِ فِيهِ حَيًّا إذْ كَانَ يُؤْثِرُهُ بِمَالِهِ عَلَى وَلَدِ نَفْسِهِ وَمَيِّتًا إذْ كَانَ عِنْدَهُ بِتِلْكَ الْحَالِ وَكَانَ الْوَارِثُ لَهُ عَدُوًّا‏؟‏ أَوَرَأَيْت لَوْ كَانَ وَارِثُهُ لَهُ عَدُوًّا فَقَالَ‏:‏ وَاَللَّهِ مَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَدَعَ الْوَصِيَّةَ فَيَكُونَ الْمِيرَاثُ وَافِرًا عَلَيْك إلَّا حُبَّ أَنْ يُفْقِرَك اللَّهُ، وَلاَ يُغْنِيَك‏.‏ وَلَكِنِّي أُوصِي بِثُلُثِ مَالِي لِغَيْرِك فَأَوْصَى لِغَيْرِهِ أَلَيْسَ إنْ أَجَازَ هَذَا أَجَازَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يُرَدَّ وَرَدَّ مَا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ مِنْ الْوَصِيَّةِ لِوَارِثٍ عَدُوٍّ فِي أَصْلِ قَوْلِهِ‏؟‏ أَوَرَأَيْت إذَا كَانَتْ السُّنَّةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْمَيِّتِ أَنْ يُوصِيَ بِثُلُثِ مَالِهِ، وَلاَ يُحْظَرُ عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ أَنْ يُوصِيَ بِهِ إلَّا لِوَارِثٍ إذَا دَخَلَ عَلَيْهِ أَحَدٌ أَنْ يُحْظَرَ عَلَيْهِ الْوَصِيَّةُ لِغَيْرِ وَارِثٍ بِحَالٍ أَلَيْسَ قَدْ خَالَفْنَا السُّنَّةَ‏؟‏ أَوَرَأَيْت إذَا كَانَ حُكْمُ الثُّلُثِ إلَيْهِ يُنَفِّذُهُ لِمَنْ رَأَى غَيْرَ وَارِثٍ لَوْ كَانَ وَارِثُهُ فِي الْعَدَاوَةِ لَهُ عَلَى مَا وَصَفْت مِنْ الْعَدَاوَةِ، وَكَانَ بَعِيدَ النَّسَبِ، أَوْ كَانَ مَوْلًى لَهُ فَأَقَرَّ لِرَجُلٍ آخَرَ بِمَالٍ قَدْ كَانَ يَجْحَدُهُ إيَّاهُ، أَوْ كَانَ لاَ يُعْرَفُ بِالْإِقْرَارِ لَهُ بِهِ، وَلاَ الْآخَرُ بِدَعْوَاهُ أَلَيْسَ إنْ أَجَازَهُ لَهُ مِمَّا يُخْرِجُ الْوَارِثُ مِنْ جَمِيعِ الْمِيرَاثِ أَجَابَهُ لَهُ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ، وَهُوَ مُتَّهَمٌ عَلَى أَنْ يَكُونَ صَارَ الْوَارِثَ‏؟‏ وَإِنْ أَبْطَلَهُ أَبْطَلَ إقْرَارًا بِدَيْنٍ أَحَقَّ مِنْ الْمِيرَاثِ؛ لِأَنَّ الْمِيرَاثَ لاَ يَكُونُ إلَّا بَعْدَ الدَّيْنِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ الْأَحْكَامُ عَلَى الظَّاهِرِ وَاَللَّهُ وَلِيُّ الْمُغَيَّبِ وَمَنْ حَكَمَ عَلَى النَّاسِ بِالْإِزْكَانِ جَعَلَ لِنَفْسِهِ مَا حَظَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إنَّمَا يُوَلِّي الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ عَلَى الْمُغَيَّبِ؛ لِأَنَّهُ لاَ يَعْلَمُهُ إلَّا هُوَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، وَكَلَّفَ الْعِبَادَ أَنْ يَأْخُذُوا مِنْ الْعِبَادِ بِالظَّاهِرِ، وَلَوْ كَانَ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ بِبَاطِنٍ عَلَيْهِ دَلاَلَةٌ كَانَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏.‏ وَمَا وَصَفْت مِنْ هَذَا يَدْخُلُ فِي جَمِيعِ الْعِلْمِ، فَإِنْ قَالَ‏:‏ قَائِلٌ مَا دَلَّ عَلَى مَا وَصَفْت مِنْ أَنَّهُ لاَ يَحْكُمُ بِالْبَاطِنِ‏؟‏ قِيلَ‏:‏ كِتَابُ اللَّهِ ثُمَّ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏.‏ ذَكَرَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الْمُنَافِقِينَ فَقَالَ‏:‏ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إذَا جَاءَك الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إنَّك لَرَسُولُ اللَّهِ» قَرَأَ إلَى «فَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ» فَأَقَرَّهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَنَاكَحُونَ وَيَتَوَارَثُونَ وَيُسْهَمُ لَهُمْ إذَا حَضَرُوا الْقِسْمَةَ وَيُحْكَمُ لَهُمْ أَحْكَامَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ كُفْرِهِمْ وَأَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّهُمْ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً مِنْ الْقَتْلِ بِإِظْهَارِ الْأَيْمَانِ عَلَى الْإِيمَانِ‏.‏ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ «إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ؛ فَمَنْ قَضَيْت لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلاَ يَأْخُذْ بِهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ بِقِطْعَةٍ مِنْ النَّارِ» فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ يَقْضِي بِالظَّاهِرِ وَأَنَّ الْحَلاَلَ وَالْحَرَامَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى الْبَاطِنِ وَأَنَّ قَضَاءَهُ لاَ يُحِلُّ لِلْمَقْضِيِّ لَهُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ إذَا عَلِمَهُ حَرَامًا‏.‏ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تَنْتَهُوا عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ تَعَالَى فَمَنْ أَصَابَ مِنْكُمْ مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللَّهِ» فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ لاَ يَكْشِفُهُمْ عَمَّا لاَ يُبْدُونَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَنَّهُمْ إذَا أَبْدَوْا مَا فِيهِ الْحَقُّ عَلَيْهِمْ أُخِذُوا بِذَلِكَ، وَبِذَلِكَ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ فَقَالَ‏:‏ «وَلاَ تَجَسَّسُوا» وَبِذَلِكَ أَوْصَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «وَلاَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَخَوَيْ بَنِي الْعَجْلاَنِ، ثُمَّ قَالَ اُنْظُرُوا فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا فَهُوَ لِلَّذِي يَتَّهِمُهُ» فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الَّذِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ لِلَّذِي يَتَّهِمُهُ بِهِ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إنَّ أَمْرَهُ لَبَيِّنٌ لَوْلاَ مَا حَكَمَ اللَّهُ»، وَلَمْ يَسْتَعْمِلْ عَلَيْهِمَا الدَّلاَلَةَ الْبَيِّنَةَ الَّتِي لاَ تَكُونُ دَلاَلَةٌ أَبْيَنَ مِنْهَا، وَذَلِكَ خَبَرُهُ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ، ثُمَّ جَاءَ الْوَلَدُ عَلَى مَا قَالَ مَعَ أَشْيَاءَ لِهَذَا كُلِّهَا تَبْطُلُ حُكْمُ الْإِزْكَانِ مِنْ الذَّرَائِعِ فِي الْبُيُوعِ وَغَيْرِهَا مِنْ حُكْم الْإِزْكَانِ فَأَعْظَمُ مَا فِيمَا وَصَفْت مِنْ الْحُكْمِ بِالْإِزْكَانِ خِلاَفُ مَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ أَنْ يُحْكَمَ بَيْنَ عِبَادِهِ مِنْ الظَّاهِرِ وَمَا حَكَمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ لَمْ يَمْتَنِعْ مَنْ حَكَمَ بِالْإِزْكَانِ إنْ اخْتَلَفَتْ أَقَاوِيلُهُ فِيهِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ آثِمًا بِخِلاَفِهِ مَا وَصَفْت مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ أَكْثَرُ أَقَاوِيلِهِ مَتْرُوكَةً عَلَيْهِ لِضَعْفِ مَذْهَبِهِ فِيهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ يُزْكَنُ فِي الشَّيْءِ الْحَلاَلِ فَيُحَرِّمُهُ ثُمَّ يَأْتِي مَا هُوَ أَوْلَى أَنْ يُحَرِّمَهُ مِنْهُ إنْ كَانَ لَهُ التَّحْرِيمُ بِالْإِزْكَانِ فَلاَ يُحَرِّمُهُ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ‏:‏ وَمِثْلُ مَاذَا مِنْ الْبُيُوعِ‏؟‏ قِيلَ‏:‏ أَرَأَيْت رَجُلاً اشْتَرَى فَرَسًا عَلَى أَنَّهَا عَقُوقٌ، فَإِنْ قَالَ‏:‏ لاَ يَجُوزُ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ مَا فِي بَطْنِهَا مُغَيَّبٌ غَيْرُ مَضْمُونٍ بِصِفَةٍ عَلَيْهِ، قِيلَ لَهُ‏:‏ وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَاهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا بِدِينَارٍ، فَإِنْ قَالَ‏:‏ نَعَمْ قِيلَ‏:‏ أَرَأَيْت إذَا كَانَ الْمُتَبَايِعَانِ بَصِيرَيْنِ فَقَالاَ‏:‏ هَذِهِ الْفَرَسُ تَسْوَى خَمْسَةَ دَنَانِيرَ إنْ كَانَتْ غَيْرَ عَقُوقٍ عَشْرَةً إنْ كَانَتْ عَقُوقًا فَأَنَا آخُذُهَا مِنْك بِعَشْرَةٍ، وَلَوْلاَ أَنَّهَا عِنْدِي عَقُوقٌ لَمْ أَزِدْك عَلَى خَمْسَةٍ وَلَكِنَّا لاَ نَشْتَرِطُ مَعَهَا عُقُوقًا لِإِفْسَادِ الْبَيْعِ فَإِنْ قَالَ‏:‏ هَذَا الْبَيْعُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ وَقَعَتْ عَلَى الْفَرَسِ دُونَ مَا فِي بَطْنِهَا وَنِيَّتُهُمَا مَعًا وَإِظْهَارُهُمَا الزِّيَادَةَ لِمَا فِي الْبَطْنِ لاَ يُفْسِدُ الْبَيْعَ إذَا لَمْ تُعْقَدْ الصَّفْقَةُ عَلَى مَا يُفْسِدُ الْبَيْعَ، وَلاَ أُفْسِدَ الْبَيْعُ هَا هُنَا بِالنِّيَّةِ قِيلَ لَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى‏.‏

وَكَذَلِكَ لاَ يَحِلُّ نِكَاحُ الْمُتْعَةِ وَيُفْسَخُ، فَإِنْ قَالَ‏:‏ نَعَمْ، قِيلَ‏:‏ وَإِنْ كَانَ أَعْزَبَ، أَوْ آهِلاً‏؟‏ فَإِنْ قَالَ‏:‏ نَعَمْ، قِيلَ‏:‏ فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَنْكِحَ امْرَأَةً وَنَوَى أَنْ لاَ يَحْبِسَهَا إلَّا يَوْمًا، أَوْ عَشْرًا إنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَقْضِيَ مِنْهَا وَطَرًا، وَكَذَلِكَ نَوَتْ هِيَ مِنْهُ غَيْرَ أَنَّهُمَا عَقَدَا النِّكَاحَ مُطْلَقًا عَلَى غَيْرِ شَرْطٍ، وَإِنْ قَالَ‏:‏ هَذَا يَحِلُّ قِيلَ لَهُ‏:‏ وَلِمَ تُفْسِدُهُ بِالنِّيَّةِ إذَا كَانَ الْعَقْدُ صَحِيحًا‏؟‏ فَإِنْ قَالَ‏:‏ نَعَمْ، قِيلَ لَهُ‏:‏ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَهَلْ تَجِدُ فِي الْبُيُوعِ شَيْئًا مِنْ الذَّرَائِعِ، أَوْ فِي النِّكَاحِ شَيْئًا مِنْ الذَّرَائِعِ تُفْسِدُ بِهِ بَيْعًا، أَوْ نِكَاحًا أَوْلَى أَنْ تُفْسِدَ بِهِ الْبَيْعَ مِنْ شِرَاءِ الْفَرَسِ الْعَقُوقِ عَلَى مَا وُصِفَ وَكُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ سِوَاهَا وَالنِّكَاحُ عَلَى مَا وَصَفْت، فَإِذَا لَمْ تُفْسِدْ بَيْعًا، وَلاَ نِكَاحًا بِنِيَّةٍ يَتَصَادَقُ عَلَيْهَا الْمُتَبَايِعَانِ وَالْمُتَنَاكِحَانِ أَيَّمَا كَانَتْ نِيَّتُهُمَا ظَاهِرَةً قَبْلَ الْعَقْدِ وَمَعَهُ وَبَعْدَهُ، وَقُلْت لاَ أُفْسِدُ وَاحِدًا مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْبَيْعِ وَعَقْدَ النِّكَاحِ وَقَعَ عَلَى صِحَّةٍ وَالنِّيَّةُ لاَ تَصْنَعُ شَيْئًا وَلَيْسَ مَعَهَا كَلاَمٌ فَالنِّيَّةُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا كَلاَمٌ أَوْلَى أَنْ لاَ تَصْنَعَ شَيْئًا يَفْسُدُ بِهِ بَيْعٌ، وَلاَ نِكَاحٌ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَإِذَا لَمْ يَفْسُدْ عَلَى الْمُتَبَايِعَيْنِ نِيَّتُهُمَا، أَوْ كَلاَمُهُمَا فَكَيْفَ أَفْسَدْت عَلَيْهِمَا بِأَنْ أزكنت عَلَيْهِمَا أَنَّهُمَا نَوَيَا، أَوْ أَحَدُهُمَا شَيْئًا وَالْعَقْدُ صَحِيحٌ فَأَفْسَدْت الْعَقْدَ الصَّحِيحَ بِإِزْكَانِك أَنَّهُ نَوَى فِيهِ مَا لَوْ شَرَطَ فِي الْبَيْعِ، أَوْ النِّكَاحِ فَسَدَ فَإِنْ قَالَ وَمِثْلُ مَاذَا‏؟‏ قَالَ‏:‏ قِيلَ لَهُ‏:‏ مِثْلُ قَوْلِك وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ‏.‏

باب تَفْرِيغِ الْوَصَايَا لِلْوَارِثِ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ فَكُلُّ مَا أَوْصَى بِهِ الْمَرِيضُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي يَمُوتُ فِيهِ لِوَارِثٍ مِنْ مِلْكِ مَالٍ وَمَنْفَعَةٍ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ لَمْ تَجُزْ الْوَصِيَّةُ لِوَارِثٍ بِأَيِّ هَذَا كَانَ‏.‏

الْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ

قَالَ الرَّبِيعُ‏:‏ قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَإِذَا اسْتَأْذَنَ الرَّجُلُ أَنْ يُوصِيَ لِوَارِثٍ فِي صِحَّةٍ مِنْهُ، أَوْ مَرَضٍ فَأَذِنُوا لَهُ أَوْ لَمْ يَأْذَنُوا فَذَلِكَ سَوَاءٌ فَإِنْ وَفَّوْا لَهُ كَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَتْقَى لِلَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ وَأَحْسَنَ فِي الْأُحْدُوثَةِ أَنْ يُجِيزُوهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا لَمْ يَكُنْ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُجْبِرَهُمْ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ، وَذَلِكَ بِمَا نُقِلَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمِيرَاثِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ‏:‏ سَمِعْت الزُّهْرِيَّ يَقُولُ‏:‏ زَعَمَ أَهْلُ الْعِرَاقِ أَنَّ شَهَادَةَ الْمَحْدُودِ لاَ تَجُوزُ فَأَشْهَدُ لاََخْبَرَنِي فُلاَنٌ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ لِأَبِي بَكْرَةَ تُبْ تُقْبَلْ شَهَادَتُك، أَوْ إنْ تُبْت قُبِلَتْ شَهَادَتُك قَالَ سُفْيَانُ سَمَّى الزُّهْرِيُّ الَّذِي أَخْبَرَهُ فَحَفِظْته، ثُمَّ نَسِيته وَشَكَكْت فِيهِ فَلَمَّا قُمْنَا سَأَلْت مَنْ حَضَرَ فَقَالَ لِي عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ‏:‏ هُوَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ فَقُلْت هَلْ شَكَكْت فِيمَا قَالَ‏:‏‏؟‏ فَقَالَ‏:‏ لاَ هُوَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ غَيْرَ شَكٍّ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَكَثِيرًا مَا سَمِعْته يُحَدِّثُهُ فَيُسَمِّي سَعِيدًا وَكَثِيرٌ مَا سَمِعْته يَقُولُ عَنْ سَعِيدٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَدْ رَوَى غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْحِفْظِ عَنْ سَعِيدٍ لَيْسَ فِيهِ شَكٌّ وَزَادَ فِيهِ أَنَّ عُمَرَ اسْتَتَابَ الثَّلاَثَةَ فَتَابَ اثْنَانِ فَأَجَازَ شَهَادَتَهُمَا وَأَبَى أَبُو بَكْرٍ فَرَدَّ شَهَادَتَهُ‏.‏

مَسْأَلَةٌ فِي الْعِتْقِ

قَالَ وَمَنْ أَوْصَى بِعِتْقِ عَبْدِهِ، وَلاَ يَحْمِلُهُ الثُّلُثُ فَأَجَازَ لَهُ بَعْضُ الْوَرَثَةِ وَأَبَى بَعْضٌ أَنْ يُجِيزَ عَتَقَ مِنْهُ مَا حَمَلَ الثُّلُثُ وَحِصَّةُ مَنْ أَجَازَ وَكَانَ الْوَلاَءُ لِلَّذِي أَعْتَقَ لاَ لِلَّذِي أَجَازَ إنْ قَالَ‏:‏ أَجَزْت لاَ أَرُدُّ مَا فَعَلَ الْمَيِّتُ، وَلاَ أُبْطِلُهُ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ لَزِمَهُ عِتْقُهُ فِي حَيَاتِهِ، أَوْ وَجْهُ ذِكْرِهِ مِثْلُ هَذَا، وَمَنْ أَوْصَى لَهُ بِثُلُثِ رَقِيقٍ، وَفِيهِمْ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ إذَا مَلَكَهُ فَلَهُ الْخِيَارُ فِي أَنْ يَقْبَلَ، أَوْ يَرُدَّ الْوَصِيَّةَ، فَإِنْ قِبَلَ عَتَقَ عَلَيْهِ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ إذَا مَلَكَهُ وَقُوِّمَ عَلَيْهِ مَا بَقِيَ مِنْهُ إنْ كَانَ مُوسِرًا وَكَانَ لَهُ، وَلاَؤُهُ، وَيُعْتَقُ عَلَى الرَّجُلِ كُلُّ مَنْ وَلَدَ الرَّجُلَ مِنْ أَبٍ وَجَدِّ أَبٍ وَجَدِّ أُمٍّ إذَا كَانَ لَهُ وَالِدًا مِنْ جِهَةٍ مِنْ الْجِهَاتِ، وَإِنْ بَعُدَ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ كَانَ وَلَدٌ بِأَيِّ جِهَةٍ مِنْ الْجِهَاتِ، وَإِنْ بَعُدَ، وَلاَ يُعْتَقُ عَلَيْهِ أَخٌ، وَلاَ عَمٌّ، وَلاَ ذُو قَرَابَةٍ غَيْرُهُمْ‏.‏

وَمَنْ أَوْصَى لِصَبِيٍّ لَمْ يَبْلُغْ بِأَبِيهِ، أَوْ جَدِّهِ كَانَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَقْبَلَ الْوَصِيَّةَ؛ لِأَنَّهُ لاَ ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي أَنْ يُعْتَقَ عَلَى الصَّبِيِّ وَلَهُ، وَلاَؤُهُ، وَإِنْ أَوْصَى لَهُ بِبَعْضِهِ لَمْ يَكُنْ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَقْبَلَ الْوَصِيَّةَ عَلَى الصَّبِيِّ، وَإِنْ قَبِلَ لَمْ يُقَوَّمْ عَلَى الصَّبِيِّ وَعَتَقَ مِنْهُ مَا مَلَكَ الصَّبِيُّ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ لَهُ أَمْرُ الْوَلِيِّ فِيمَا زَادَ الصَّبِيُّ أَوْ لَمْ يَنْقُصْ، أَوْ فِيمَا لاَ بُدَّ لَهُ مِنْهُ‏.‏

فَأَمَّا مَا يَنْقُصُهُ مِمَّا لَهُ مِنْهُ بُدٌّ فَلاَ يَجُوزُ عَلَيْهِ، وَهَذَا نَقْصٌ لَهُ مِنْهُ بُدٌّ، وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَأَعْطَى أَحَدَهُمَا خَمْسِينَ دِينَارًا عَلَى أَنْ يُعْتِقَهُ، أَوْ يُعْتِقَ نَصِيبَهُ مِنْهُ فَأَعْتَقَهُ عَتَقَ عَلَيْهِ وَرَجَعَ شَرِيكُهُ عَلَيْهِ بِنِصْفِ الْخَمْسِينَ وَأَخَذَهَا وَنِصْفِ قِيمَةِ الْعَبْدِ، وَكَانَ لَهُ، وَلاَؤُهُ وَرَجَعَ السَّيِّدُ عَلَى الْعَبْدِ بِالْخَمْسَةِ وَالْعِشْرِينَ الَّتِي قَبَضَهَا مِنْهُ السَّيِّدُ، وَلَوْ كَانَ السَّيِّدُ قَالَ‏:‏ إنْ سَلِمَتْ لِي هَذِهِ الْخَمْسُونَ فَأَنْتَ حُرٌّ لَمْ يَكُنْ حُرًّا وَكَانَ لَلشَّرِيكِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ نِصْفَ الْخَمْسِينَ؛ لِأَنَّهُ مَالُ الْعَبْدِ وَمَالُهُ بَيْنَهُمَا‏.‏

وَمَنْ قَالَ‏:‏ إذَا مِتُّ فَنِصْفُ غُلاَمِي حُرٌّ فَنِصْفُ غُلاَمِهِ حُرٌّ، وَلاَ يُعْتَقُ عَلَيْهِ النِّصْفُ الثَّانِي، وَإِنْ حَمَلَ ذَلِكَ ثُلُثُهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا مَاتَ، فَقَدْ انْقَطَعَ مِلْكُهُ عَنْ مَالِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِهِ مَا كَانَ حَيًّا، فَلَمَّا أَوْقَعَ الْعِتْقَ فِي حَالٍ لَيْسَ هُوَ فِيهَا مَالِكٌ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ إلَّا مَا أَوْقَعَ، وَإِذَا كُنَّا فِي حَيَاتِهِ لَوْ أَعْتَقَ نِصْفَ مَمْلُوكٍ وَنِصْفُهُ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ مُعْسِرٌ لَمْ نَعْتِقْهُ عَلَيْهِ فَهُوَ بَعْدَ الْمَوْتِ لاَ يَمْلِكُ فِي حَالِهِ الَّتِي أَعْتَقَ فِيهَا، وَلاَ يُفِيدُ مِلْكًا بَعْدَهُ، وَلَوْ أَعْتَقَهُ فَبَتَّ عِتْقَهُ فِي مَرَضِهِ عَتَقَ عَلَيْهِ كُلَّهُ؛ لِأَنَّهُ أَعْتَقَ، وَهُوَ مَالِكٌ لِلْكُلِّ، أَوْ الثُّلُثُ، وَإِذَا مَاتَ فَحَمَلَ الثُّلُثُ عِتْقَ كُلِّهِ وَبُدِئَ عَلَى التَّدْبِيرِ وَالْوَصَايَا‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ، أَوْ أَكْثَرَ فَأَعْتَقَ أَحَدُهُمْ، وَهُوَ مُوسِرٌ وَشُرَكَاؤُهُ غُيَّبٌ عَتَقَ كُلَّهُ وَقُوِّمَ فَدَفَعَ إلَى وُكَلاَءِ شُرَكَائِهِ نَصِيبَهُمْ مِنْ الْعَبْدِ وَكَانَ حُرًّا وَلَهُ، وَلاَؤُهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ وُكَلاَءُ وُقِفَ ذَلِكَ لَهُمْ عَلَى أَيْدِي مَنْ يَضْمَنُهُ بِالنَّظَرِ مِنْ الْقَاضِي لَهُمْ، أَوْ أَقَرَّهُ عَلَى الْمُعْتِقِ إنْ كَانَ مَلِيئًا، وَلاَ يُخْرِجُهُ مِنْ يَدَيْهِ إذَا كَانَ مَلِيئًا مَأْمُونًا إنَّمَا يُخْرِجُهُ إذَا كَانَ غَيْرَ مَأْمُونٍ‏.‏

وَإِذَا قَالَ‏:‏ الرَّجُلُ لِعَبْدِهِ‏:‏ أَنْتَ حُرٌّ عَلَى أَنَّ عَلَيْك مِائَةَ دِينَارٍ، أَوْ خِدْمَةَ سَنَةٍ، أَوْ عَمَلَ كَذَا فَقَبِلَ الْعَبْدُ الْعِتْقَ عَلَى هَذَا لَزِمَهُ ذَلِكَ وَكَانَ دَيْنًا عَلَيْهِ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَخْدُمَ رَجَعَ عَلَيْهِ الْمَوْلَى بِقِيمَةِ الْخِدْمَةِ فِي مَالِهِ إنْ كَانَ لَهُ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَلَوْ قَالَ‏:‏ فِي هَذَا أَقْبَلُ الْعِتْقَ، وَلاَ أَقْبَلُ مَا جَعَلْت عَلَيَّ لَمْ يَكُنْ حُرًّا، وَهُوَ كَقَوْلِك أَنْتَ حُرٌّ إنْ ضَمِنْت مِائَةَ دِينَارٍ، أَوْ ضَمِنْت كَذَا وَكَذَا، وَلَوْ قَالَ‏:‏ أَنْتَ حُرٌّ وَعَلَيْك مِائَةُ دِينَارٍ وَأَنْتَ حُرٌّ، ثُمَّ عَلَيْك مِائَةُ دِينَارٍ أَوْ خِدْمَةٌ فَإِنْ أَلْزَمَهُ الْعَبْدُ نَفْسَهُ، أَوْ لَمْ يُلْزِمْهُ نَفْسَهُ عَتَقَ فِي الْحَالَيْنِ مَعًا، وَلَمْ يَلْزَمْهُ مِنْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ أَعْتَقَهُ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ أَنْ جَعَلَ عَلَيْهِ شَيْئًا فَجَعَلَهُ عَلَى رَجُلٍ لاَ يَمْلِكُهُ، وَلَمْ يَعْقِدْ بِهِ شَرْطًا فَلاَ يَلْزَمُهُ إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ بِأَنْ يَضْمَنَهُ لَهُ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَإِذَا أَعْتَقَ الرَّجُلُ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ فَإِنَّمَا أَنْظُرُ إلَى الْحَالِ الَّتِي أَعْتَقَ فِيهَا فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا سَاعَةَ أَعْتَقَهُ أَعْتَقْته وَجَعَلْت لَهُ وَلاَءَهُ وَضَمَّنْته نَصِيبَ شُرَكَائِهِ وَقَوَّمْته بِقِيمَتِهِ حِينَ وَقَعَ الْعِتْقُ وَجَعَلْته حِينَ وَقَعَ الْعِتْقُ حُرًّا جِنَايَتَهُ وَالْجِنَايَةَ عَلَيْهِ وَشَهَادَتَهُ وَحُدُودَهُ وَجَمِيعَ أَحْكَامِهِ أَحْكَامَ حُرٍّ، وَإِنْ لَمْ يَدْفَعْ الْقِيمَةَ، وَلَمْ يَرْتَفِعْ إلَى الْقَاضِي إلَّا بَعْدَ سَنَةٍ، أَوْ أَكْثَرَ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ يَوْمَ أَعْتَقَهُ مِائَةَ دِينَارٍ، ثُمَّ نَقَصَتْ، ثُمَّ لَمْ يُرَافِعْهُ إلَى الْحَاكِمِ حَتَّى تَصِيرَ عَشْرَةً أَوْ زَادَتْ حَتَّى تَصِيرَ أَلْفًا فَسَوَاءٌ وَقِيمَتُهُ مِائَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ الْمُعْتَقَةُ أَمَةً فَوَلَدَتْ أَوْلاَدًا بَعْدَ الْعِتْقِ فَالْقِيمَةُ قِيمَةُ الْأُمِّ يَوْمَ وَقَعَ الْعِتْقُ حَامِلاً كَانَتْ، أَوْ غَيْرَ حَامِلٍ، وَلاَ قِيمَةَ لِمَا حَدَثَ مِنْ الْحَمْلِ، وَلاَ مِنْ الْوِلاَدَةِ بَعْدَ الْعِتْقِ؛ لِأَنَّهُمْ أَوْلاَدُ حُرَّةٍ‏.‏

وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَأَعْتَقَهُ أَحَدُهُمَا وَأَعْتَقَهُ الثَّانِي بَعْدَ عِتْقِ الْأَوَّلِ فَعِتْقُهُ بَاطِلٌ‏.‏

وَهَذَا إذَا كَانَ الْأَوَّلُ مُوسِرًا فَلَهُ وَلاَؤُهُ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَعِتْقُ الثَّانِي جَائِزٌ وَالْوَلاَءُ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ أَعْتَقَاهُ جَمِيعًا مَعًا لَمْ يَتَقَدَّمْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فِي الْعِتْقِ كَانَ حُرًّا وَلَهُمَا، وَلاَؤُهُ وَهَكَذَا إنْ وَلَّيَا رَجُلاً عِتْقَهُ فَأَعْتَقَهُ كَانَ حُرًّا وَكَانَ، وَلاَؤُهُ بَيْنَهُمَا، وَلَوْ قَالَ‏:‏ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ إذَا أَعْتَقْت فَهُوَ حُرٌّ فَأَعْتَقَهُ صَاحِبُهُ كَانَ حُرًّا حِينَ قَالَ‏:‏ الْمُعْتِقُ، وَلاَ يَكُونُ حُرًّا لَوْ قَالَ‏:‏ إذَا أَعْتَقْتُكَ فَأَنْتَ حُرٌّ؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَ الْعِتْقَ بَعْدَ كَمَالِ الْأَوَّلِ وَكَانَ كَمَنْ قَالَ إذَا أَعْتَقْته فَهُوَ حُرٌّ، وَلاَ أَلْتَفِتُ إلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ، وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ فَأَعْتَقَهُ أَحَدُهُمَا، وَهُوَ مُعْسِرٌ فَنَصِيبُهُ حُرٌّ وَلِلْمُعْتِقِ نِصْفُ مَالِهِ وَلِلَّذِي لَمْ يَعْتِقْ نِصْفُهُ، وَلَوْ كَانَ مُوسِرًا كَانَ حُرًّا وَضَمِنَ لِشَرِيكِهِ نِصْفَ قِيمَتِهِ وَكَانَ مَالُ الْعَبْدِ بَيْنَهُمَا، وَلاَ مَالَ لِلْعَبْدِ إنَّمَا مَالُهُ لِمَالِكِهِ إنْ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَهُ أَخَذَهُ وَعِتْقُهُ غَيْرُ هِبَةِ مَالِهِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَهُوَ غَيْرُ مَالِهِ، وَهُوَ يَقَعُ عَلَيْهِ الْعِتْقُ، وَلاَ يَقَعُ عَلَى مَالِهِ، وَلَوْ قَالَ‏:‏ رَجُلٌ لِغُلاَمِهِ أَنْتَ حُرٌّ وَلِمَالِهِ أَنْتَ حُرٌّ كَانَ الْغُلاَمُ حُرًّا، وَلَمْ يَكُنْ الْمَالُ حُرًّا مَا كَانَ الْمَالُ مِنْ حَيَوَانٍ أَوْ غَيْرِهِ لاَ يَقَعُ الْعِتْقُ إلَّا عَلَى بَنَى آدَمَ‏.‏

وَإِذَا أَعْتَقَ الرَّجُلُ عَبْدًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَجُلٍ وَلَهُ مِنْ الْمَالِ مَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ ثَلاَثَةَ أَرْبَاعِهِ، أَوْ أَقَلَّ، أَوْ أَكْثَرَ إلَّا أَنَّ الْكُلَّ لاَ يَخْرُجُ عَتَقَ عَلَيْهِ مَا احْتَمَلَ مَالُهُ مِنْهُ وَكَانَ لَهُ مِنْ، وَلاَئِهِ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ وَيَرِقُّ مِنْهُ مَا بَقِيَ وَسَوَاءٌ فِيمَا وَصَفْت الْعَبْدُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ الْمُسْلِمُ وَالنَّصْرَانِيُّ وَسَوَاءٌ أَيَّهُمَا أَعْتَقَهُ وَسَوَاءٌ كَانَ الْعَبْدُ مُسْلِمًا أَوْ نَصْرَانِيًّا، فَإِذَا أَعْتَقَهُ النَّصْرَانِيُّ، وَهُوَ مُوسِرٌ فَهُوَ حُرٌّ كُلُّهُ وَلَهُ وَلاَؤُهُ، وَهُوَ فِيهِ مِثْلُ الْمُسْلِمِ إلَّا أَنَّهُ لاَ يَرِثُهُ لِاخْتِلاَفِ الدِّينَيْنِ كَمَا لاَ يَرِثُ ابْنَهُ فَإِنْ أَسْلَمَ بَعْدُ، ثُمَّ مَاتَ الْمَوْلَى الْمُعْتِقُ وَرِثَهُ، وَلاَ يَبْعُدُ النَّصْرَانِيُّ أَنْ يَكُونَ مَالِكًا مُعْتِقًا فَعِتْقُ الْمَالِكِ جَائِزٌ‏.‏

وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ»، وَلاَ يَكُونُ مَالِكًا لِمُسْلِمٍ، فَلَوْ أَعْتَقَهُ لَمْ يَجُزْ عِتْقُهُ، فَأَمَّا مَالِكُ مُعْتِقٍ يَجُوزُ عِتْقُهُ، وَلاَ يَكُونُ لَهُ، وَلاَؤُهُ فَلَمْ أَسْمَعْ بِهَذَا، وَهَذَا خِلاَفُ السُّنَّةِ‏.‏

وَإِذَا مَلَكَ الرَّجُلُ أَبَاهُ، أَوْ أُمَّهُ بِمِيرَاثٍ عَتَقَا عَلَيْهِ، وَإِذَا مَلَكَ بَعْضَهُمَا عَتَقَ مِنْهُمَا مَا مَلَكَ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يُقَوَّمَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَزِمَهُ وَلَيْسَ لَهُ دَفْعُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ دَفْعُ الْمِيرَاثِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ نَقَلَ مِيرَاثَ الْمَوْتَى إلَى الْأَحْيَاءِ الْوَارِثِينَ‏.‏

وَلَكِنَّهُ لَوْ أَوْصَى لَهُ، أَوْ وَهَبَ لَهُ، أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ، أَوْ مَلَكَهُ بِأَيِّ مِلْكٍ مَا شَاءَ غَيْرِ الْمِيرَاثِ عَتَقَ عَلَيْهِ، وَإِنْ مَلَكَ بَعْضَهُمَا بِغَيْرِ مِيرَاثٍ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُقَوَّمَا عَلَيْهِ، وَلَوْ اشْتَرَى بَعْضَهُمَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ لَهُ دَفْعُ هَذَا الْمِلْكِ كُلِّهِ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَبُولُهُ، وَلَمْ يَكُنْ مَالِكًا لَهُ إلَّا بِأَنْ يَشَاءَ فَكَانَ اخْتِيَارُهُ الْمِلْكَ مِلْكَ مَا لَهُ قِيمَةٌ، وَالْعِتْقُ يَلْزَمُ الْعَبْدَ أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ‏.‏

وَلَوْ أَعْتَقَ الرَّجُلُ شِقْصًا لَهُ فِي عَبْدٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ فَقَالَ‏:‏ عِنْدَ الْقِيمَةِ إنَّهُ آبِقٌ، أَوْ سَارِقٌ كُلِّفَ الْبَيِّنَةَ‏.‏

فَإِنْ جَاءَ بِهَا قُوِّمَ كَذَلِكَ، وَإِنْ أَقَرَّ لَهُ شَرِيكُهُ قُوِّمَ كَذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُقِرَّ لَهُ شَرِيكُهُ أُحْلِفَ، فَإِنْ حَلَفَ قَوْمٌ بَرِيَا مِنْ الْإِبَاقِ وَالسَّرِقَةِ‏.‏

فَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ رَدَدْنَا الْيَمِينَ عَلَى الْمُعْتَقِ فَإِنْ حَلَفَ قَوَّمْنَاهُ آبِقًا سَارِقًا، وَإِنْ نَكَلَ قَوَّمْنَاهُ صَحِيحًا‏.‏

باب الْوَصِيَّةِ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ وَلَوْ أَوْصَى رَجُلٌ بِوَصِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ، ثُمَّ أَوْصَى بَعْدَهَا بِوَصِيَّةٍ أُخْرَى أُنْفِذَتْ الْوَصِيَّتَانِ مَعًا، وَكَذَلِكَ إنْ أَوْصَى بِالْأُولَى فَجَعَلَ إنْفَاذَهَا إلَى رَجُلٍ وَبِالْأُخْرَى فَجَعَلَ إنْفَاذَهَا إلَى رَجُلٍ كَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْوَصِيَّتَيْنِ إلَى مَنْ جَعَلَهَا إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ قَالَ فِي الْأُولَى وَجَعَلَ وَصِيَّتَهُ وَقَضَاءَ دَيْنِهِ وَتَرِكَتَهُ إلَى فُلاَنٍ وَقَالَ‏:‏ فِي الْأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ كَانَ كُلُّ مَا قَالَ فِي وَاحِدَةٍ مِنْ الْوَصِيَّتَيْنِ لَيْسَ فِي الْأُخْرَى إلَى الْوَصِيِّ فِي تِلْكَ الْوَصِيَّةِ دُونَ صَاحِبِهِ وَكَانَ قَضَاءُ دَيْنِهِ وَوِلاَيَةُ تَرِكَتِهِ إلَيْهِمَا مَعًا، وَلَوْ قَالَ‏:‏ فِي إحْدَى الْوَصِيَّتَيْنِ أَوْصَى بِمَا فِي هَذِهِ الْوَصِيَّةِ إلَى فُلاَنٍ وَقَالَ‏:‏ فِي الْأُخْرَى أَوْصَى بِمَا فِي هَذِهِ الْوَصِيَّةِ وَوِلاَيَةِ مَنْ خَلَفَ وَقَضَاءِ دَيْنِهِ إلَى فُلاَنٍ فَهَذَا مُفْرَدٌ بِمَا أَفْرَدَهُ بِهِ مِنْ قَضَاءِ دَيْنِهِ وَوِلاَيَةِ تَرِكَتِهِ وَمَا فِي وَصِيَّتِهِ لَيْسَتْ فِي الْوَصِيَّةِ الْأُخْرَى وَشَرِيكٌ مَعَ الْآخَرِ فِيمَا فِي الْوَصِيَّةِ الْأُخْرَى‏.‏

باب الرُّجُوعِ فِي الْوَصِيَّةِ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ وَلِلرَّجُلِ إذَا أَوْصَى بِوَصِيَّةٍ تَطَوَّعَ بِهَا أَنْ يَنْقُضَهَا كُلَّهَا، أَوْ يُبَدِّلَ مِنْهَا مَا شَاءَ التَّدْبِيرَ، أَوْ غَيْرَهُ مَا لَمْ يَمُتْ، وَإِنْ كَانَ فِي وَصِيَّتِهِ إقْرَارٌ بِدَيْنٍ، أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ عِتْقٍ بَتَاتٍ فَذَلِكَ شَيْءٌ وَاجِبٌ عَلَيْهِ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ فِي حَيَاتِهِ لاَ بَعْدَ مَوْتِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ مِنْ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ‏.‏

باب مَا يَكُونُ رُجُوعًا فِي الْوَصِيَّةِ وَتَغْيِيرًا لَهَا وَمَا لاَ يَكُونُ رُجُوعًا، وَلاَ تَغْيِيرًا

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ وَإِذَا أَوْصَى رَجُلٌ بِعَبْدٍ بِعَيْنِهِ لِرَجُلٍ، ثُمَّ أَوْصَى بِذَلِكَ الْعَبْدِ بِعَيْنِهِ لِرَجُلٍ فَالْعَبْدُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَلَوْ قَالَ الْعَبْد الَّذِي أَوْصَيْت بِهِ لِفُلاَنٍ لِفُلاَنٍ، أَوْ قَدْ أَوْصَيْت بِالْعَبْدِ الَّذِي أَوْصَيْت بِهِ لِفُلاَنٍ لِفُلاَنٍ كَانَ هَذَا رَدًّا لِلْوَصِيَّةِ الْأُولَى وَكَانَتْ وَصِيَّتُهُ لِلْآخَرِ مِنْهُمَا، وَلَوْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِعَبْدٍ، ثُمَّ أَوْصَى أَنْ يُبَاعَ ذَلِكَ الْعَبْدُ كَانَ هَذَا دَلِيلاً ثُمَّ إبْطَالُ وَصِيَّتِهِ بِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْبَيْعَ وَالْوَصِيَّةَ لاَ يَجْتَمِعَانِ فِي عَبْدٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِعَبْدٍ، ثُمَّ أَوْصَى بِعِتْقِهِ، أَوْ أَخْذِ مَالٍ مِنْهُ وَعِتْقِهِ كَانَ هَذَا كُلُّهُ إبْطَالاً لِلْوَصِيَّةِ بِهِ لِلْأَوَّلِ، وَلَوْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِعَبْدٍ، ثُمَّ بَاعَهُ أَوْ كَاتَبَهُ، أَوْ دَبَّرَهُ، أَوْ وَهَبَهُ كَانَ هَذَا كُلُّهُ إبْطَالاً لِلْوَصِيَّةِ فِيهِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَلَوْ أَوْصَى بِهِ لِرَجُلٍ، ثُمَّ أَذِنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ أَوْ بَعَثَهُ تَاجِرًا إلَى بَلَدٍ، أَوْ أَجَّرَهُ، أَوْ عَلَّمَهُ كِتَابًا، أَوْ قُرْآنًا أَوْ عِلْمًا، أَوْ صِنَاعَةً، أَوْ كَسَاهُ، أَوْ وَهَبَ لَهُ مَالاً، أَوْ زَوَّجَهُ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ هَذَا رُجُوعًا فِي الْوَصِيَّةِ، وَلَوْ كَانَ الْمُوصِي بِهِ طَعَامًا فَبَاعَهُ أَوْ وَهَبَهُ، أَوْ أَكَلَهُ، أَوْ كَانَ حِنْطَةً فَطَحَنَهَا، أَوْ دَقِيقًا فَعَجَنَهُ أَوْ خَبَزَهُ فَجَعَلَهَا سَوِيقًا كَانَ هَذَا كُلُّهُ كَنَقْضِ الْوَصِيَّةِ، وَلَوْ أَوْصَى لَهُ بِمَا فِي هَذَا الْبَيْتِ مِنْ الْحِنْطَةِ ثُمَّ خَلَطَهَا بِحِنْطَةِ غَيْرِهَا كَانَ هَذَا إبْطَالاً لِلْوَصِيَّةِ، وَلَوْ أَوْصَى لَهُ مِمَّا فِي الْبَيْتِ بِمَكِيلَةِ حِنْطَةٍ ثُمَّ خَلَطَهَا بِحِنْطَةٍ مِثْلِهَا لَمْ يَكُنْ هَذَا إبْطَالاً لِلْوَصِيَّةِ وَكَانَتْ لَهُ الْمَكِيلَة الَّتِي أَوْصَى بِهَا لَهُ‏.‏

تَغْيِيرُ وَصِيَّةِ الْعِتْقِ

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ‏:‏ حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ إمْلاَءً قَالَ‏:‏ وَلِلْمُوصِي أَنْ يُغَيِّرَ مِنْ وَصِيَّتِهِ مَا شَاءَ مِنْ تَدْبِيرٍ وَغَيْرِ تَدْبِيرٍ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ عَطَاءٌ يُعْطِيهِ بَعْدَ الْمَوْتِ فَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ مَا لَمْ يَتِمَّ لِصَاحِبِهِ بِمَوْتِهِ، قَالَ‏:‏ وَتَجُوزُ وَصِيَّةُ كُلِّ مَنْ عَقَلَ الْوَصِيَّةَ مِنْ بَالِغٍ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ وَغَيْرِ بَالِغٍ لِأَنَّا إنَّمَا نَحْبِسُ عَلَيْهِ مَالَهُ مَا لَمْ يَبْلُغْ رُشْدَهُ، فَإِذَا صَارَ إلَى أَنْ يُحَوِّلَ مِلْكَهُ لِغَيْرِهِ لَمْ نَمْنَعْهُ أَنْ يَتَقَرَّبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي مَالِهِ بِمَا أَجَازَتْ لَهُ السُّنَّةُ مِنْ الثُّلُثِ، قَالَ‏:‏ وَنَقْتَصِرُ فِي الْوَصَايَا عَلَى الثُّلُثِ، وَالْحُجَّةُ فِي أَنْ يُقْتَصَرَ بِهَا عَلَى الثُّلُثِ، وَفِي أَنْ تَجُوزَ لِغَيْرِ الْقَرَابَةِ حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ «أَنْ رَجُلاً أَعْتَقَ سِتَّةً مَمْلُوكِينَ لَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ فَأَقْرَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمْ فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً» فَاقْتَصَرَ بِوَصِيَّتِهِ عَلَى الثُّلُثِ وَجَعَلَ عِتْقَهُ فِي الْمَرَضِ إذَا مَاتَ وَصِيَّةً وَأَجَازَهَا لِلْعَبِيدِ وَهُمْ غَيْرُ قَرَابَةٍ وَأُحِبُّ إلَيْنَا أَنْ يُوصِيَ لِلْقَرَابَةِ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَإِذَا أَوْصَى رَجُلٌ لِرَجُلٍ بِثُلُثِ مَالِهِ، أَوْ شَيْءٍ مُسَمًّى مِنْ دَنَانِيرَ، أَوْ دَرَاهِمَ، أَوْ عَرْضٍ مِنْ الْعُرُوضِ وَلَهُ مَالٌ حَاضِرٌ، وَلاَ يَحْتَمِلُ مَا أَوْصَى بِهِ وَمَالٌ غَائِبٌ فِيهِ فَضْلٌ عَمَّا أَوْصَى بِهِ أَعْطَيْنَا الْمُوصِي لَهُ مَا أَوْصَى لَهُ بِمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَسْتَكْمِلَ ثُلُثَ الْمَالِ الْحَاضِرِ وَبَقَّيْنَا مَا بَقِيَ لَهُ وَكُلَّمَا حَضَرَ مِنْ الْمَالِ شَيْءٌ دَفَعْنَا إلَى الْوَرَثَةِ ثُلُثَيْهِ وَإِلَى الْمُوصِي لَهُ ثُلُثَهُ حَتَّى يَسْتَوْفُوا وَصَايَاهُمْ، وَإِنْ هَلَكَ الْمَالُ الْغَائِبُ هَلَكَ مِنْهُمْ وَمِنْ الْوَرَثَةِ، وَإِنْ أَبْطَأَ عَلَيْهِمْ أَبْطَأَ عَلَيْهِمْ مَعًا وَأَحْسَنُ حَالِ الْمُوصِي لَهُ أَبَدًا أَنْ يَكُونَ كَالْوَارِثِ مَا احْتَمَلَتْ الْوَصِيَّةُ الثُّلُثَ، فَإِذَا عَجَزَ الثُّلُثُ عَنْهَا سَقَطَ مَعَهُ فَأَمَّا أَنْ يَزِيدَ أَحَدٌ بِحَالٍ أَبَدًا عَلَى مَا أَوْصَى لَهُ بِهِ قَلِيلاً، أَوْ كَثِيرًا فَلاَ إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ لَهُ الْوَرَثَةُ فَيَهَبُونَ لَهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ أَرَأَيْت مَنْ زَعَمَ أَنَّ رَجُلاً لَوْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِثَلاَثَةِ دَرَاهِمَ وَتَرَكَ ثَلاَثَةَ دَرَاهِمَ وَعَرَضًا غَائِبًا يُسَاوِي أَلْفًا فَقَالَ‏:‏ أُخَيِّرُ الْوَرَثَةَ بَيْنَ أَنْ يُعْطُوا الْمُوصِي لَهُ هَذِهِ الثَّلاَثَةَ دَرَاهِمَ كُلَّهَا وَيُسْلَمَ لَهُمْ ثُلُثُ مَالِ الْمَيِّتِ، أَوْ أُجْبِرُهُمْ عَلَى دِرْهَمٍ مِنْ الثَّلاَثَةِ؛ لِأَنَّهُ ثُلُثُ مَا حَضَرَ وَأَجْعَلُ لِلْمُوصِيَّ لَهُ ثُلُثَيْ الثُّلُثِ فِيمَا غَابَ مِنْ مَالِهِ أَلَيْسَ كَانَ أَقْرَبَ إلَى الْحَقِّ وَأَبْعَدَ مِنْ الْفُحْشِ فِي الظُّلْمِ لَوْ جَبْرَهُمْ عَلَى أَنْ يُعْطُوهُ مِنْ الثَّلاَثَةِ دَرَاهِمَ دِرْهَمًا‏؟‏، فَإِذَا لَمْ يَحُزْ عِنْدَهُ أَنْ يُجْبِرَهُمْ عَلَى دِرْهَمَيْنِ يَدْفَعُونَهُمَا مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لاَ يَكُونُ لَهُ أَنْ تَسْلَمَ إلَيْهِ وَصِيَّتُهُ، وَلَمْ تَأْخُذْ الْوَرَثَةُ مِيرَاثَهُمْ كَانَ أَنْ يُعْطُوهُ قِيمَةَ أُلُوفٍ أَحْرَمَ عَلَيْهِ وَأُفْحِشَ فِي الظُّلْمِ، وَإِنَّمَا أَحْسَنُ حَالاَتِ الْمُوصَى لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ مَا أَوُصِيَ لَهُ بِهِ لاَ يُزَادَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، وَلاَ يَدْخُلَ عَلَيْهِ النَّقْصُ فَأَمَّا الزِّيَادَةُ فَلاَ تَحِلُّ وَلَكِنْ كُلَّمَا حَضَرَ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ أَعْطَيْنَا الْوَرَثَةَ الثُّلُثَيْنِ وَلَهُ الثُّلُثَ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ وَصِيَّتَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْصَى لَهُ بِعَبْدٍ بِعَيْنِهِ، وَلَمْ يَتْرُكْ الْمَيِّتُ غَيْرَهُ إلَّا مَالاً غَائِبًا سَلَّمْنَا لَهُ ثُلُثَهُ وَلِلْوَرَثَةِ الثُّلُثَيْنِ وَكُلَّمَا حَضَرَ مِنْ الْمَالِ الْغَائِبِ شَيْءٌ لَهُ ثُلُثٌ زِدْنَا الْمُوصَى لَهُ فِي الْعَبْدِ أَبَدًا حَتَّى يَسْتَوْفِيَ رَقَبَتَهُ أَوْ سُقُطَ الثُّلُثُ فَيَكُونُ لَهُ مَا حَمَلَ الثُّلُثُ، وَلاَ أُبَالِي تَرَكَ الْمَيِّتُ دَارًا، أَوْ أَرْضًا، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لاَ مَأْمُونَ فِي الدُّنْيَا قَدْ تَنْهَدِمُ الدَّارُ وَتَحْتَرِقُ وَيَأْتِي السَّيْلُ عَلَيْهَا فَيَنْسِفُ أَرْضَهَا وَعِمَارَتَهَا وَلَيْسَ مِنْ الْعَدْلِ أَنْ يَكُونَ لِلْوَرَثَةِ ثُلُثَانِ بِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلِلْمُوصِيَّ لَهُ ثُلُثٌ تَطَوَّعَا مِنْ الْمَيِّتِ فَيُعْطَى بِالثُّلُثِ مَا لاَ تُعْطَى الْوَرَثَةُ بِالثُّلُثَيْنِ‏.‏

باب وَصِيَّةِ الْحَامِلِ

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ‏:‏ قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ تَجُوزُ وَصِيَّةُ الْحَامِلِ مَا لَمْ يَحْدُثْ لَهَا مَرَضٌ غَيْرُ الْحَمْلِ كَالْأَمْرَاضِ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا صَاحِبُهَا مُضْنِيًا أَوْ تَجْلِسُ بَيْنَ الْقَوَابِلِ فَيَضْرِبُهَا الطَّلْقُ، فَلَوْ أَجَزْت أَنْ تُوصِيَ حَامِلٌ مَرَّةً، وَلاَ تُوصِي أُخْرَى كَانَ لِغَيْرِي أَنْ يَقُولَ إذَا ابْتَدَأَ الْحَمْلُ تَغْثَى نَفْسُهَا وَتُغَيِّر عَنْ حَالِ الصِّحَّةِ وَتَكْرَهُ الطَّعَامَ فَلاَ أُجِيزُ وَصِيَّتَهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ وَأَجَزْت وَصِيَّتَهَا إذَا اسْتَمَرَّتْ فِي الْحَمْلِ وَذَهَبَ عَنْهَا الْغَثَيَانُ وَالنُّعَاسُ وَإِقْهَامُ الطَّعَامِ، ثُمَّ يَكُونُ أَوْلَى أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُهُ مِمَّنْ فَرَّقَ بَيْنَ حَالِهَا قَبْلَ الطَّلْقِ وَلَيْسَ فِي هَذَا وَجْهٌ يَحْتَمِلُهُ إلَّا مَا قُلْنَا؛ لِأَنَّ الطَّلْقَ حَادِثٌ كَالتَّلَفِ، أَوْ كَأَشَدِّ وَجَعِ الْأَرْضِ مُضْنٍ وَأَخْوَفُهُ، أَوْ لاَ تَجُوزُ وَصِيَّتُهَا إذَا حَمَلَتْ بِحَالٍ؛ لِأَنَّهَا حَامِلاً مُخَالِفَةٌ حَالَهَا غَيْرَ حَامِلٍ، وَقَدْ قَالَ فِي الرَّجُلِ يَحْضُرُ الْقِتَالَ تَجُوزُ هِبَتُهُ وَجَمِيعُ مَا صَنَعَ فِي مَالِهِ فِي كُلٍّ مَا لَمْ يُجْرَحْ، فَإِذَا جُرِحَ جُرْحًا مَخُوفًا فَهَذَا كَالْمَرَضِ الْمُضْنِي أَوْ أَشَدُّ خَوْفًا فَلاَ يَجُوزُ مِمَّا صَنَعَ فِي مَالِهِ إلَّا الثُّلُثُ، وَكَذَلِكَ الْأَسِيرُ يَجُوزُ لَهُ مَا صَنَعَ فِي مَالِهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ حَلَّ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ مَا لَمْ يُقْتَلْ، أَوْ يُجْرَحْ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ قَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَحْيَا‏.‏

صَدَقَةُ الْحَيِّ عَنْ الْمَيِّتِ

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ‏:‏ حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ إمْلاَءً قَالَ‏:‏ يَلْحَقُ الْمَيِّتَ مِنْ فِعْلِ غَيْرِهِ وَعَمَلِهِ ثَلاَثٌ حَجٌّ يُؤَدَّى عَنْهُ وَمَالٌ يُتَصَدَّقُ بِهِ عَنْهُ، أَوْ يُقْضَى وَدُعَاءٌ فَأَمَّا مَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ صَلاَةٍ، أَوْ صِيَامٍ فَهُوَ لِفَاعِلِهِ دُونَ الْمَيِّتِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا بِهَذَا دُونَ مَا سِوَاهُ اسْتِدْلاَلاً بِالسُّنَّةِ فِي الْحَجِّ خَاصَّةً وَالْعُمْرَةُ مِثْلُهُ قِيَاسًا، وَذَلِكَ الْوَاجِبُ دُونَ التَّطَوُّعِ، وَلاَ يَحُجَّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ تَطَوُّعًا؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ عَلَى الْبَدَنِ فَأَمَّا الْمَالُ، فَإِنَّ الرَّجُلَ يَجِبُ عَلَيْهِ فِيمَا لَهُ الْحَقُّ مِنْ الزَّكَاةِ وَغَيْرِهَا فَيُجْزِيه أَنْ يُؤَدِّي عَنْهُ بِأَمْرِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أُرِيدَ بِالْفَرْضِ فِيهِ تَأْدِيَتُهُ إلَى أَهْلِهِ لاَ عَمَلٌ عَلَى الْبَدَنِ، فَإِذَا عَمِلَ امْرُؤٌ عَنِّي عَلَى مَا فُرِضَ فِي مَالِي، فَقَدْ أَدَّى الْفَرْضَ عَنِّي، وَأَمَّا الدُّعَاءُ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ نَدَبَ الْعِبَادَ إلَيْهِ وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ، فَإِذَا جَازَ أَنْ يُدْعَى لِلْأَخِ حَيًّا جَازَ أَنْ يُدْعَى لَهُ مَيِّتًا وَلَحِقَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بَرَكَهُ ذَلِكَ مَعَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ وَاسِعٌ لاََنْ يُوَفِّي الْحَيَّ أَجْرَهُ وَيُدْخِلَ عَلَى الْمَيِّتِ مَنْفَعَتَهُ، وَكَذَلِكَ كُلَّمَا تَطَوَّعَ رَجُلٌ عَنْ رَجُلٍ صَدَقَةَ تَطَوُّعٍ‏.‏

باب الْأَوْصِيَاءِ

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ وَلاَ تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ إلَّا إلَى بَالِغٍ مُسْلِمٍ عَدْلٍ، أَوْ امْرَأَةٍ كَذَلِكَ، وَلاَ تَجُوزُ إلَى عَبْدٍ أَجْنَبِيٍّ، وَلاَ عَبْدِ الْمُوصِي، وَلاَ عَبْدِ الْمُوصَى لَهُ، وَلاَ إلَى أَحَدٍ لَمْ تَتِمَّ فِيهِ الْحُرِّيَّةُ مِنْ مُكَاتَبٍ، وَلاَ غَيْرِهِ، وَلاَ تَجُوزُ وَصِيَّةُ مُسْلِمٍ إلَى مُشْرِكٍ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَكَيْفَ لَمْ تُجِزْ الْوَصِيَّةَ إلَى مَنْ ذَكَرْت أَنَّهَا لاَ تَجُوزُ إلَيْهِ‏؟‏ قِيلَ‏:‏ لاَ تَعْدُو الْوَصِيَّةُ أَنْ تَكُونَ كَوِكَالَةِ الرَّجُلِ فِي الْحَقِّ لَهُ فَلَسْنَا نَرُدُّ عَلَى رَجُلٍ وَكَّلَ عَبْدًا كَافِرًا خَائِنًا؛ لِأَنَّهُ أَمْلَكُ بِمَالِهِ وَنُجِيزُ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ بِمَا يَجُوزُ لَهُ فِي مَالِهِ، وَلاَ نُخْرِجُ مِنْ يَدَيْهِ مَا دَفَعَ إلَيْهِ مِنْهُ، وَلاَ نَجْعَلُ عَلَيْهِ فِيهِ أَمِينًا، وَلاَ أَعْلَمُ أَحَدًا يُجِيزُ فِي الْوَصِيَّةِ مَا يُجِيزُ فِي الْوَكَالَةِ مِنْ هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ، فَإِذَا صَارُوا إلَى أَنْ لاَ يُجِيزُوا هَذَا فِي الْوَصِيَّةِ فَلاَ وَجْهَ لِلْوَصِيَّةِ إلَّا بِأَنْ يَكُونَ الْمَيِّتُ نَظَرَ لِمَنْ أَوْصَى لَهُ بِدَيْنٍ وَتَطَوُّعٍ مِنْ وِلاَيَةِ وَلَدِهِ فَأَسْنَدَهُ إلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ مِلْكِ الْمَيِّتِ فَصَارَ يَمْلِكُهُ وَارِثٌ، أَوْ ذُو دَيْنٍ، أَوْ مُوصًى لَهُ لاَ يَمْلِكُهُ الْمَيِّتُ، فَإِذَا قَضَى عَلَيْهِمْ فِيمَا كَانَ لَهُمْ بِسَبَبِهِ قَضَاءٌ يَجُوزُ أَنْ يَبْتَدِئَ الْحَاكِمُ الْقَضَاءَ لَهُمْ بِهِ؛ لِأَنَّهُ نَظَرَ لَهُمْ أَجَزْته وَكَانَ فِيهِ مَعْنَى أَنْ يَكُونَ مَنْ أَسْنَدَ ذَلِكَ إلَيْهِ يَعْطِفُ عَلَيْهِمْ مِنْ الثِّقَةِ بِمَوَدَّةٍ لِلْمَيِّتِ أَوْ لِلْمُوصَى لَهُمْ، فَإِذَا وَلَّى حُرًّا أَوْ حُرَّةً عَدْلَيْنِ أَجَزْنَا ذَلِكَ لَهُمَا بِمَا وَصَفْت مِنْ أَنَّ ذَلِكَ يَصْلُح عَلَى الِابْتِدَاءِ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُوَلِّي أَحَدَهُمَا، فَإِذَا لَمْ يُوَلِّ مَنْ هُوَ فِي هَذِهِ الصِّفَةِ بَانَ لَنَا أَنْ قَدْ أَخْطَأَ عَامِدًا، أَوْ مُجْتَهِدًا عَلَى غَيْرِهِ، وَلاَ نُجِيزُ خَطَأَهُ عَلَى غَيْرِهِ إذَا بَانَ ذَلِكَ لَنَا كَمَا تُجِيزُ أَمْرَ الْحَاكِمِ فِيمَا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ صَوَابًا، وَلاَ نُجِيزُهُ فِيمَا بَانَ خَطَؤُهُ وَنُجِيزُ أَمْرَ الْوَالِي فِيمَا صَنَعَ نَظَرًا وَنَرُدُّهُ فِيمَا صَنَعَ مِنْ مَالِ مَنْ يَلِي غَيْرَ نَظَرٍ وَنُجِيزُ قَوْلَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فِي نَفْسِهِ فِيمَا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ صِدْقًا، وَلاَ نُجِيزُهُ فِيمَا لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ صِدْقًا وَهَكَذَا كُلُّ مَنْ شَرَطْنَا عَلَيْهِ فِي نَظَرِهِ أَنْ يَجُوزَ بِحَالٍ لَمْ يَجُزْ فِي الْحَالِ الَّتِي يُخَالِفُهَا‏.‏

وَإِذَا أَوْصَى الرَّجُلُ إلَى مَنْ تَجُوزُ وَصِيَّتُهُ، ثُمَّ حَدَثَ لِلْمُوصَى إلَيْهِ حَالٌ تُخْرِجُهُ مِنْ حَدِّ أَنْ يَكُونَ كَافِيًا لِمَا أُسْنِدَ إلَيْهِ، أَوْ أَمِينًا عَلَيْهِ أَخْرَجْت الْوَصِيَّةَ مِنْ يَدَيْهِ إذَا لَمْ يَكُنْ أَمِينًا وَأَضُمُّ إلَيْهِ إذَا كَانَ أَمِينًا ضَعِيفًا عَنْ الْكِفَايَةِ قَوِيًّا عَلَى الْأَمَانَةِ فَإِنْ ضَعُفَ عَنْ الْأَمَانَةِ أُخْرِجَ بِكُلِّ حَالٍ وَكُلَّمَا صَارَ مَنْ أُبْدِلَ مَكَانَ وَصِيٍّ إلَى تَغَيُّرٍ فِي أَمَانَةٍ، أَوْ ضَعْفٍ كَانَ مِثْلَ الْوَصِيِّ يُبْدَلُ مَكَانُهُ كَمَا يُبْدَلُ مَكَانُ الْوَصِيِّ إذَا تَغَيَّرَتْ حَالُهُ، وَإِذَا أَوْصَى إلَى رَجُلَيْنِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا، أَوْ تَغَيَّرَتْ حَالُهُ أُبْدِلَ مَكَانَ الْمَيِّتِ، أَوْ الْمُتَغَيِّرِ رَجُلٌ آخَرُ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَمْ يَرْضَ قِيَامَ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، وَلَوْ أَوْصَى رَجُلٌ إلَى رَجُلٍ فَمَاتَ الْمُوصَى إلَيْهِ وَأَوْصَى بِمَا أَوْصَى بِهِ إلَى رَجُلٍ لَمْ يَكُنْ وَصِيُّ الْوَصِيِّ وَصِيًّا لِلْمَيِّتِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ الْمَيِّتَ الْأَوَّلَ لَمْ يَرْضَ الْمُوصَى الْآخَرَ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَلَوْ قَالَ أَوْصَيْت إلَى فُلاَنٍ فَإِنْ حَدَثَ بِهِ حَدَثٌ، فَقَدْ أَوْصَيْت إلَى مَنْ أَوْصَى إلَيْهِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَوْصَى بِمَالِ غَيْرِهِ وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَنْظُرَ فِيمَنْ أَوْصَى إلَيْهِ الْوَصِيُّ الْمَيِّتُ فَإِنْ كَانَ كَافِيًا أَمِينًا، وَلَمْ يَجِدْ آمَنَ مِنْهُ، أَوْ مِثْلَهُ فِي الْأَمَانَةِ مِمَّنْ يَرَاهُ أَمْثَلَ لِتَرِكَةِ الْمَيِّتِ مِنْ ذِي قَرَابَةِ الْمَيِّتِ، أَوْ مَوَدَّةً لَهُ، أَوْ قَرَابَةً لِتَرِكَتِهِ، أَوْ مَوَدَّةً لَهُمْ ابْتَدَأَ لِتَوْلِيَتِهِ بِتَرِكَةِ الْمَيِّتِ، وَإِنْ وَجَدَ أَكْفَأَ وَأَمْلاََ بِبَعْضِ هَذِهِ الْأُمُورِ مِنْهُ وَلَّى الَّذِي يَرَاهُ أَنْفَعَ لِمَنْ يُوَلِّيهِ أَمْرَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ وَإِذَا اخْتَلَفَ الْوَصِيَّانِ، أَوْ الْمَوْلَيَانِ، أَوْ الْوَصِيُّ، وَلاَ مَوْلَى مَعَهُ فِي الْمَالِ قَسَمَ مَا كَانَ مِنْهُ يُقْسَمُ فَجَعَلَ فِي أَيْدِيهِمَا نِصْفَيْنِ وَأَمَرَ بِالِاحْتِفَاظِ بِمَا لاَ يُقْسَمُ مِنْهُ مَعًا‏.‏

وَإِذَا أَوْصَى الْمَيِّتُ بِإِنْكَاحِ بَنَاتِهِ إلَى رَجُلٍ فَإِنْ كَانَ وَلِيَّهُنَّ الَّذِي لاَ أَوْلَى مِنْهُ زَوَّجَهُنَّ بِوِلاَيَةِ النَّسَبِ أَوْ الْوَلاَءِ دُونَ الْوَصِيَّةِ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَلِيَّهُنَّ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهُنَّ، وَفِي إجَازَةِ تَزْوِيجِ الْوَصِيِّ إبْطَالٌ لِلْأَوْلِيَاءِ إذَا كَانَ الْأَوْلِيَاءُ أَهْلَ النَّسَبِ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَلِيَ غَيْرُ ذِي نَسَبٍ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ يَجُوزُ بِوَصِيَّةِ الْمَيِّتِ أَنْ يَلِيَ مَا كَانَ يَلِي الْمَيِّتُ‏؟‏ فَالْمَيِّتُ لاَ وِلاَيَةَ لَهُ عَلَى حَيٍّ فَيَكُونُ يَلِي أَحَدٌ بِوِلاَيَةِ الْمَيِّتِ إذَا مَاتَ صَارَتْ الْوِلاَيَةُ لِأَقْرَبِ النَّاسِ بِالْمُزَوَّجَةِ مِنْ قِبَل أَبِيهَا بَعْدَهُ أَحَبَّتْ ذَلِكَ، أَوْ كَرِهَتْهُ، وَلَوْ جَازَ هَذَا لِوَصِيِّ الْأَبِ جَازَ لِوَصِيِّ الْأَخِ وَالْمَوْلَى وَلَكِنْ لاَ يَجُوزُ لِوَصِيٍّ فَإِنْ قِيلَ‏:‏ قَدْ يُوَكِّلُ أَبُوهَا الرَّجُلَ فَيُزَوِّجَهَا فَيَجُوزُ‏؟‏ قِيلَ‏:‏ نَعَمْ وَوَلِيُّهَا مَنْ كَانَ وَالْوِلاَيَةُ حِينَئِذٍ لِلْحَيِّ مِنْهُمَا وَالْوَكِيلُ يَقُومُ مَقَامَهُ‏.‏

قَالَ الشَّافِعِيُّ‏:‏ فَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ قَدْ أَوْصَيْت إلَى فُلاَنٍ بِتَرِكَتِي، أَوْ قَالَ‏:‏ قَدْ أَوْصَيْت إلَيْهِ بِمَالِي، أَوْ قَالَ‏:‏ بِمَا خَلَّفْت‏.‏

قَالَ الرَّبِيعُ أَنَا أُجِيبُ فِيهَا أَقُولُ‏:‏ يَكُونُ وَصِيًّا بِالْمَالِ، وَلاَ يَكُونُ إلَيْهِ مِنْ النِّكَاحِ شَيْءٌ إنَّمَا النِّكَاحُ إلَى الْعَصَبَةِ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ مِنْ الْمُزَوِّجَةِ وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَمُ‏.‏

باب مَا يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَصْنَعَهُ فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى

قَالَ الشَّافِعِيُّ رحمه الله تعالى‏:‏ يُخْرِجُ الْوَصِيُّ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ كُلَّ مَا لَزِمَ الْيَتِيمَ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ وَجِنَايَتِهِ وَمَا لاَ غِنَى بِهِ عَنْهُ مِنْ كِسْوَتِهِ وَنَفَقَتِهِ بِالْمَعْرُوفِ، وَإِذَا بَلَغَ الْحُلُمَ، وَلَمْ يَبْلُغْ رُشْدَهُ زَوَّجَهُ، وَإِذَا احْتَاجَ إلَى خَادِمٍ وَمِثْلُهُ يُخْدَمُ اشْتَرَى لَهُ خَادِمًا، وَإِذَا ابْتَاعَ لَهُ نَفَقَةً وَكِسْوَةً فَسُرِقَ ذَلِكَ أَخْلَفَ لَهُ مَكَانَهَا، وَإِنْ أَتْلَفَ ذَلِكَ فَأْتِهِ يَوْمًا يَوْمًا وَأْمُرْهُ بِالِاحْتِفَاظِ بِكِسْوَتِهِ فَإِنْ أَتْلَفَهَا رَفَعَ ذَلِكَ إلَى الْقَاضِي وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَحْبِسَهُ فِي إتْلاَفِهَا وَيُخِيفَهُ، وَلاَ بَأْسَ بِأَنْ يَأْمُرَ أَنْ يُكْسَى أَقَلَّ مَا يَكْفِيهِ فِي الْبَيْتِ مِمَّا لاَ يَخْرُجُ فِيهِ، فَإِذَا رَأَى أَنْ قَدْ أَدَّبَهُ أَمَرَ بِكِسْوَتِهِ مَا يَخْرُجُ فِيهِ وَيُنْفِقُ عَلَى امْرَأَتِهِ إنْ زَوَّجَهُ وَخَادِمٍ إنْ كَانَتْ لَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَيَكْسُوهَا، وَكَذَلِكَ يُنْفِقُ عَلَى جَارِيَتِهِ إنْ اشْتَرَاهَا لَهُ لِيَطَأَهَا، وَلاَ أَرَى أَنْ يَجْمَعَ لَهُ امْرَأَتَيْنِ وَلاَ جَارِيَتَيْنِ لِلْوَطْءِ، وَإِنْ اتَّسَعَ مَالُهُ لِأَنَّا إنَّمَا نُعْطِيهِ مِنْهُ مَا فِيهِ الْكِفَايَةُ مِمَّا يُخْرِجُ مِنْ حَدِّ الضِّيقِ وَلَيْسَ بِامْرَأَةٍ، وَلاَ جَارِيَةٍ لِوَطْءٍ ضِيقٌ إلَّا أَنْ تَسْقَمَ أَيَّتُهُمَا كَانَتْ عِنْدَهُ حَتَّى لاَ يَكُونَ فِيهَا مَوْضِعٌ لِلْوَطْءِ فَيَنْكِحَ، أَوْ يَتَسَرَّى إذَا كَانَ مَالُهُ مُحْتَمِلاً لِذَلِكَ، وَهَذَا مَا لاَ صَلاَحَ لَهُ إلَّا بِهِ إنْ كَانَ يَأْتِي النِّسَاءَ فَإِنْ كَانَ مَجْبُوبًا أَوْ حَصُورًا فَأَرَادَ جَارِيَةً يَتَلَذَّذُ بِهَا لَمْ تُشْتَرَ لَهُ، وَإِنْ أَرَادَ جَارِيَةً لِلْخِدْمَةِ اُشْتُرِيَتْ لَهُ فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَتَلَذَّذَ بِهَا تَلَذَّذَ بِهَا، وَإِنْ أَرَادَ امْرَأَةً لَمْ يُزَوَّجْهَا؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَهُ مِنْهُ بُدٌّ، وَإِذَا زُوِّجَ الْمَوْلَى عَلَيْهِ فَأَكْثَرَ طَلاَقَهَا أَحْبَبْت أَنْ يَتَسَرَّى فَإِنْ أَعْتَقَ فَالْعِتْقُ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ‏.‏

الْوَصِيَّةُ الَّتِي صَدَرَتْ مِنْ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه

قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ‏:‏ هَذَا كِتَابٌ كَتَبَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ بْنِ الْعَبَّاسِ الشَّافِعِيُّ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ ثَلاَثٍ وَمِائَتَيْنِ وَأَشْهَدَ اللَّهَ عَالَمَ خَائِنَةِ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ وَكَفَى بِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ شَهِيدًا، ثُمَّ مَنْ سَمِعَهُ أَنَّهُ شَهِدَ أَنْ لاَ إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ لَمْ يَزَلْ يَدِينُ بِذَلِكَ وَبِهِ يَدِينُ حَتَّى يَتَوَفَّاهُ اللَّهُ وَيَبْعَثُهُ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَأَنَّهُ يُوصِي نَفْسَهُ وَجَمَاعَةَ مَنْ سَمِعَ وَصِيَّتَهُ بِإِحْلاَلِ مَا أَحِلَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ، ثُمَّ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَحْرِيمِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي الْكِتَابِ، ثُمَّ فِي السُّنَّةِ وَأَنْ لاَ يُجَاوِزَ مِنْ ذَلِكَ إلَى غَيْرِهِ وَأَنَّ مُجَاوَزَتَهُ تَرْكُ رِضَا اللَّهِ وَتَرْكَ مَا خَالَفَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَهُمَا مِنْ الْمُحَدِّثَاتِ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى أَدَاءِ فَرَائِضِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ وَالْكَفِّ عَنْ مَحَارِمِهِ خَوْفًا لِلَّهِ وَكَثْرَةِ ذِكْرِ الْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ «يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا» وَأَنْ تُنْزِلَ الدُّنْيَا حَيْثُ أَنْزَلَهَا اللَّهُ فَإِنَّهُ لَمْ يَجْعَلْهَا دَارَ مَقَامٍ إلَّا مَقَامَ مُدَّةٍ عَاجِلَةِ الِانْقِطَاعِ، وَإِنَّمَا جَعَلَهَا دَارَ عَمَلٍ وَجَعَلَ الْآخِرَةَ دَارَ قَرَارٍ وَجَزَاءٍ فِيهَا بِمَا عَمِلَ فِي الدُّنْيَا مِنْ خَيْرٍ، أَوْ شَرٍّ إنْ لَمْ يَعْفُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، وَأَنْ لاَ يُخَالَّ أَحَدًا إلَّا أَحَدًا خَالَّهُ لِلَّهِ فَمَنْ يَفْعَلْ الْخُلَّةَ فِي اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَيُرْجَى مِنْهُ إفَادَةَ عِلْمٍ فِي دِينٍ وَحُسْنِ أَدَبٍ فِي الدُّنْيَا، وَأَنْ يَعْرِفَ الْمَرْءُ زَمَانَهُ وَيَرْغَبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي الْخَلاَصِ مِنْ شَرِّ نَفْسِهِ فِيهِ، وَيُمْسِكَ عَنْ الْإِسْرَافِ مِنْ قَوْلٍ، أَوْ فِعْلٍ فِي أَمْرٍ لاَ يَلْزَمُهُ وَأَنْ يُخْلِصَ النِّيَّةَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا قَالَ‏:‏ وَعَمِلَ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَكْفِيهِ مِمَّا سِوَاهُ، وَلاَ يَكْفِي مِنْهُ شَيْءٌ غَيْرُهُ، وَأَوْصَى مَتَى حَدَثَ بِهِ حَادِثُ الْمَوْتِ الَّذِي كَتَبَهُ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ عَنْ خَلْقِهِ الَّذِي أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَوْنَ عَلَيْهِ، وَعَلَى مَا بَعْدَهُ وَكِفَايَةَ كُلِّ هَوْلٍ دُونَ الْجَنَّةِ بِرَحْمَتِهِ، وَلَمْ يُغَيِّرْ وَصِيَّتَهُ هَذِهِ، أَنْ يَلِيَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ الْأَزْرَقِيُّ النَّظَرَ فِي أَمْرِ ثَابِتٍ الْخَصِيِّ الْأَقْرَعِ الَّذِي خَلَفَ بِمَكَّةَ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُفْسِدٍ فِيمَا خَلَّفَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ فِيهِ أَعْتَقَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ فَإِنْ حَدَثَ بِأَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ حَدَثٌ قَبْلَ أَنْ يَنْظُرَ فِي أَمْرِهِ نَظَرَ فِي أَمْرِهِ الْقَائِمُ بِأَمْرِ مُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ بَعْدَ أَحْمَدَ فَأَنْفَذَ فِيهِ مَا جُعِلَ إلَى أَحْمَدَ وَأَوْصَى أَنَّ جَارِيَتَهُ الْأَنْدَلُسِيَّةَ الَّتِي تُدْعَى فَوْزُ الَّتِي تُرْضِعُ ابْنَهُ أَبَا الْحَسَنِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ إذَا اسْتَكْمَلَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ سَنَتَيْنِ وَاسْتَغْنَى عَنْ رَضَاعِهَا، أَوْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ فَهِيَ حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِذَا اسْتَكْمَلَ سَنَتَيْنِ وَرُئِيَ أَنَّ الرَّضَاعَ خَيْرٌ لَهُ أَرْضَعَتْهُ سَنَةً أُخْرَى، ثُمَّ هِيَ حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا أَنْ يُرَى أَنَّ تَرْكَ الرَّضَاعِ خَيْرٌ لَهُ أَنْ يَمُوتَ فَتُعْتَقُ بِأَيِّهِمَا كَانَ وَمَتَى أُخْرِجَ إلَى مَكَّةَ أُخْرِجَتْ مَعَهُ حَتَّى يُكْمِلَ مَا وَصَفْت مِنْ رَضَاعِهِ، ثُمَّ هِيَ حُرَّةٌ، وَإِنْ عَتَقَتْ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إلَى مَكَّةَ لَمْ تُكْرَهْ فِي الْخُرُوجِ إلَى مَكَّةَ وَأَوْصَى أَنْ تُحْمَلَ أُمُّ أَبِي الْحَسَنِ أُمُّ وَلَدِهِ دَنَانِيرَ وَأَنْ تُعْطِيَ جَارِيَتَهُ سِكَّةَ السَّوْدَاءَ وَصِيَّةً لَهَا، أَوْ أَنْ يُشْتَرَى لَهَا جَارِيَةٌ، أَوْ خَصِيٌّ بِمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ دِينَارًا، أَوْ يُدْفَعَ إلَيْهَا عِشْرُونَ دِينَارًا وَصِيَّةً لَهَا فَأَيَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَا اخْتَارَتْهُ دُفِعَ إلَيْهَا، وَإِنْ مَاتَ ابْنُهَا أَبَا الْحَسَنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ بِهِ إلَى مَكَّةَ فَهَذِهِ الْوَصِيَّةُ لَهَا إنْ شَاءَتْهَا، وَإِنْ لَمْ تُعْتِقْ حَتَّى تَخْرُجَ بِأَبِي الْحَسَنِ إلَى مَكَّةَ حُمِلَتْ وَابْنُهَا مَعَهَا مَعَ أَبِي الْحَسَنِ، وَإِنْ مَاتَ أَبُو الْحَسَنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ بِهِ إلَى مَكَّةَ عَتَقَتْ فَوْزُ وَأَعْطَيْت ثَلاَثَةَ دَنَانِيرَ وَأَوْصَى أَنْ يُقْسَمَ ثُلُثُ مَالِهِ بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ سَهْمًا عَلَى دَنَانِيرَ سَهْمَانِ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ سَهْمًا مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ مَا عَاشَ ابْنُهَا وَأَقَامَتْ مَعَهُ يُنْفَقُ عَلَيْهَا مِنْهُ، وَإِنْ مَاتَ ابْنُهَا أَبُو الْحَسَنِ وَأَقَامَتْ مَعَ وَلَدِ مُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ فَذَلِكَ لَهَا وَمَتَى فَارَقَتْ ابْنَهَا وَوَلَدَهُ قُطِعَ عَنْهَا مَا أَوْصَى لَهَا بِهِ، وَإِنْ أَقَامَتْ فَوْزُ مَعَ دَنَانِيرَ بَعْدَمَا تُعْتَقُ فَوْزُ وَدَنَانِيرُ مُقِيمَةٌ مَعَ ابْنِهَا مُحَمَّدٍ، أَوْ وَلَدِ مُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ وُقِفَ عَلَى فَوْزَ سَهْمٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ سَهْمًا مِنْ ثُلُثِ مَالِ مُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ يُنْفَقُ عَلَيْهَا مِنْهُ مَا أَقَامَتْ مَعَهَا وَمَعَ وَلَدِ مُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ فَإِنْ لَمْ تُقِمْ فَوْزُ قُطِعَ عَنْهَا وَرُدَّ عَلَى دَنَانِيرَ أُمِّ وَلَدِ مُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ وَأَوْصَى لِفُقَرَاءِ آلِ شَافِعِ بْنِ السَّائِبِ بِأَرْبَعَةِ أَسْهُمٍ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ سَهْمًا مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ يُدْفَع إلَيْهِمْ سَوَاءٌ فِيهِ صَغِيرُهُمْ وَكَبِيرُهُمْ وَذَكَرُهُمْ وَإِنَاثُهُمْ وَأَوْصَى لِأَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ الْأَزْرَقِيِّ بِسِتَّةِ أَسْهُمٍ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ سَهْمًا مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ وَأَوْصَى أَنْ يُعْتَقَ عَنْهُ رِقَابٌ بِخَمْسَةِ أَسْهُمٍ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ سَهْمًا مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ وَيُتَحَرَّى أَفْضَلَ مَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ وَأَحْمَدَهُ وَيُشْتَرَى مِنْهُمْ مَسْعَدَة الْخَيَّاطُ إنْ بَاعَهُ مَنْ هُوَ لَهُ فَيُعْتَقُ وَأَوْصَى أَنْ يُتَصَدَّق عَلَى جِيرَانِ دَارِهِ الَّتِي كَانَ يَسْكُنُ بِذِي طُوًى مِنْ مَكَّةَ بِسَهْمٍ وَاحِدٍ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ سَهْمًا مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ يَدْخُلُ فِيهِمْ كُلُّ مَنْ يَحْوِي إدْرِيسَ وَلاَءَهُ وَمَوَالِي أُمِّهِ ذَكَرُهُمْ وَإِنَاثُهُمْ فَيُعْطِي كُلَّ وَاحِدِ مِنْهُمْ ثَلاَثَةَ أَضْعَافِ مَا يُعْطِي وَاحِدًا مِنْ جِيرَانِهِ وَأَوْصَى لِعُبَادَةَ السِّنْدِيَّةِ وَسَهْلٍ وَوَلَدِهِمَا مَوَالِيَهُ وَسَلِيمَة مَوْلاَةِ أُمِّهِ وَمَنْ أَعْتَقَ فِي وَصِيَّتِهِ بِسَهْمٍ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ سَهْمًا مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ يَجْعَلُ لِعِبَادَةِ ضَعْفَ مَا يَجْعَلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَيُسَوِّي بَيْنَ الْبَاقِينَ، وَلاَ يُعْطِي مِنْ مَوَالِيهِ إلَّا مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ وَكُلُّ مَا أَوْصَى بِهِ مِنْ السَّهْمَانِ مِنْ ثُلُثِهِ بَعْدَمَا أَوْصَى بِهِ مِنْ الْحَمُولَةِ وَالْوَصَايَا يَمْضِي بِحَسَبِ مَا أَوْصَى بِهِ بِمِصْرَ فَيَكُونُ مَبْدَأَ، ثُمَّ يَحْسِبُ بَاقِيَ ثُلُثِهِ فَيُخْرِجَ الْأَجْزَاءَ الَّتِي وَصَفْت فِي كِتَابِهِ وَجَعَلَ مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ إنْفَاذَ مَا كَانَ مِنْ وَصَايَاهُ بِمِصْرَ وَوِلاَيَةَ جَمِيعِ تَرِكَتِهِ بِهَا إلَى اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ الْقُرَشِيِّ وَيُوسُفُ بْنُ عَمْرِو بْنِ يَزِيدَ الْفَقِيهِ وَسَعِيدُ بْنُ الْجَهْمِ الْأَصْبَحِيُّ فَأَيُّهُمْ مَاتَ، أَوْ غَابَ، أَوْ تَرَكَ الْقِيَامَ بِالْوَصِيَّةِ قَامَ الْحَاضِرُ الْقَائِمُ بِوَصِيَّتِهِ مَقَامًا يُغْنِيهِ عَمَّنْ غَابَ عَنْ وَصِيَّةِ مُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ، أَوْ تَرَكَهَا وَأَوْصَى يُوسُفَ بْنَ يَزِيدَ وَسَعِيدَ بْنَ الْجَهْمِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنْ يُلْحِقُوا ابْنَهُ أَبَا الْحَسَنِ مَتَى أَمْكَنَهُمْ إلْحَاقُهُ بِأَهْلِهِ بِمَكَّةَ، وَلاَ يُحْمَلَ بَحْرًا وَإِلَى الْبِرِّ سَبِيلٌ بِوَجْهٍ وَيَضُمُّوهُ وَأُمَّهُ إلَى ثِقَةٍ وَيُنَفِّذُوا مَا أَوْصَاهُمْ بِهِ بِمِصْرَ وَيَجْمَعُوا مَالَهُ وَمَالَ أَبِي الْحَسَنِ ابْنِهِ بِهَا وَيُلْحِقُوا ذَلِكَ كُلَّهُ وَرَقِيقَ أَبِي الْحَسَنِ مَعَهُ بِمَكَّةَ حَتَّى يُدْفَعَ إلَى وَصِيِّ مُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ بِهَا وَمَا يَخْلُفُ لِمُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ، أَوْ ابْنِهِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ بِمِصْرَ مِنْ شَيْءٍ فَسَعِيدُ بْنُ الْجَهْمِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَيُوسُفُ بْنُ عَمْرٍو أَوْصِيَاءَهُ فِيهِ وَوُلاَةُ وَلَدِهِ مَا كَانَ لَهُ وَلَهُمْ بِمِصْرَ عَلَى مَا شَرَطَ أَنْ يَقُومَ الْحَاضِرُ مِنْهُمْ فِي كُلِّ مَا أُسْنِدَ إلَيْهِ مَقَامَ كُلِّهِمْ وَمَا أَوْصَلُوا إلَى أَوْصِيَاءِ مُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ بِمَكَّةَ وَوُلاَةِ وَلَدِهِ مِمَّا يَقْدِرُ عَلَى إيصَالِهِ، فَقَدْ خَرَجُوا مِنْهُ وَهُمْ قَائِمُونَ بِدَيْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ قَبَضَا وَقَضَاءَ دَيْنٍ إنْ كَانَ عَلَيْهَا بِهَا وَبَيْعَ مَا رَأَوْا بَيْعَهُ مِنْ تَرِكَتِهِ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ وَعَلَيْهِ بِمِصْرَ وَوِلاَيَةُ ابْنِهِ أَبِي الْحَسَنِ مَا كَانَ بِمِصْرَ وَجَمِيعُ تَرِكَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ بِمِصْرَ مِنْ أَرْضٍ وَغَيْرِهَا وَجَعَلَ مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ، وَلاَءَ وَلَدِهِ بِمَكَّةَ وَحَيْثُ كَانُوا إلَى عُثْمَانَ وَزَيْنَبَ وَفَاطِمَةَ بَنِي مُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ وَوَلاَءَ ابْنِهِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ مِنْ دَنَانِيرَ أُمِّ وَلَدِهِ إذَا فَارَقَ مِصْرَ وَالْقِيَامَ بِجَمِيعِ أَمْوَالِ وَلَدِهِ الَّذِينَ سَمَّى وَوَلَدَانِ حَدَثٌ لِمُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ حَتَّى يَصِيرُوا إلَى الْبُلُوغِ وَالرُّشْدِ مَعًا وَأَمْوَالَهُمْ حَيْثُ كَانَتْ إلَّا مَا يَلِي أَوْصِيَاؤُهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ إلَيْهِمْ مَا قَامَ بِهِ قَائِمٌ مِنْهُمْ، فَإِذَا تَرَكَهُ فَهُوَ إلَى وَصِيَّيْهِ بِمَكَّةَ وَهُمَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ الْأَزْرَقِيُّ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ إسْمَاعِيلَ بْنِ مُقَرِّظ الصَّرَّافُ فَإِنْ عُبَيْدَ اللَّهِ تُوُفِّيَ، أَوْ لَمْ يَقْبَلْ وَصِيَّةَ مُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ فَأَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَائِمُ بِذَلِكَ كُلِّهِ وَمُحَمَّدٌ يَسْأَلُ اللَّهَ الْقَادِرَ عَلَى مَا يَشَاءُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْ يَرْحَمُهُ فَإِنَّهُ فَقِيرٌ إلَى رَحْمَتِهِ وَأَنْ يُجِيرَهُ مِنْ النَّارِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى غَنِيٌّ عَنْ عَذَابِهِ وَأَنْ يَخْلُفَهُ فِي جَمِيعِ مَا يُخْلَفُ بِأَفْضَلَ مَا خَلَفَ بِهِ أَحَدًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْ يَكْفِيَهُمْ فَقْدَهُ وَيَجْبُرَ مُصِيبَتَهُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْ يَقِيَهُمْ مَعَاصِيَهُ وَإِتْيَانَ مَا يَقْبُحُ بِهِمْ وَالْحَاجَةَ إلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ بِقُدْرَتِهِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ أَشْهَدَ مُحَمَّدَ بْنَ إدْرِيسَ الشَّافِعِيَّ عَلَى نَفْسِهِ فِي مَرَضِهِ أَنَّ سُلَيْمًا الْحَجَّامَ لَيْسَ إنَّمَا هُوَ لِبَعْضِ وَلَدِهِ، وَهُوَ مَشْهُودٌ عَلَيَّ فَإِنْ بِيعَ فَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ لَهُ فَلَيْسَ مَالِي مِنْهُ شَيْءٌ، وَقَدْ أَوْصَيْت بِثُلُثِي، وَلاَ يَدْخُلُ فِي ثُلُثِي مَا لاَ قَدْرَ لَهُ مِنْ فُخَّارٍ وَصِحَافٍ وَحُصْر مِنْ سَقْطِ الْبَيْتِ وَبَقَايَا طَعَامِ الْبَيْتِ وَمَا لاَ يُحْتَاجُ إلَيْهِ مِمَّا لاَ خَطَرَ لَهُ شَهِدَ عَلَى ذَلِكَ‏.‏